أخبار عاجلة

قسـ.ـد والخـ.ـط الثالث: حين ينتـ.ـصر مشـ.ـروع الحـ.ـوار على الانقـ.ـسام

في خضم التجاذبات الحادة التي تشهدها الساحة السورية منذ أكثر من عقد، وبين خطابين طغى عليهما العنف والتخوين — أحدهما يستند إلى سرديات السلطة المركزية، والآخر يتبنى منطق الإقصاء الثوري المسلح — برز “الخط الثالث” الذي تبنته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كخيار عقلاني ووطني في آنٍ معًا.

هذا الخط الذي يقوم على الديمقراطية والحوار والتفاهم بين المكونات السورية، يثبت اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنه لم يكن مجرد شعار تنظيمي، بل استراتيجية متكاملة تستند إلى قراءة عميقة للمشهد السوري، وحرص حقيقي على الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.

نجاح قسد في تجنب الانجرار إلى الخطابات العنصرية والطائفية لم يكن أمرًا عابرًا، بل نابع من رؤية متماسكة تعتبر أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى إلا على قاعدة التعددية والاعتراف بالآخر، لا على أنقاض الكراهية والتفكك. وهذا ما جعلها، رغم كل الضغوط الإقليمية والتجاذبات الدولية، تحتفظ بهويتها كقوة سورية الهوى والوجهة، بعيدة عن مشاريع التقسيم أو الهيمنة.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحرب الإعلامية والدعائية التي شنتها أطراف إقليمية مثل تركيا، والتنظيمات المتطرفة كداعش، في محاولة مستمرة لتشويه صورة قسد ووصمها بتهم الانفصال أو العمالة. كانت هذه المحاولات تهدف إلى ضرب مشروعها من الداخل، وزعزعة ثقة الحاضنة الشعبية بها، وتصويرها كقوة غريبة عن النسيج السوري. لكن قسد، عبر ممارساتها العملية والتزامها بخطاب جامع، استطاعت أن ترد على هذه الحملات بالأفعال لا بالشعارات.

فرغم الحرب المتعددة الأوجه التي استهدفتها، تمكنت قسد من تأسيس نموذج إداري واجتماعي في شمال وشرق سوريا، يقوم على إشراك كل المكونات العرقية والدينية، ويضمن الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات في بيئة محاطة بالصراعات والانهيارات. إن استمرارية هذا النموذج، وصموده أمام الضغوط السياسية والعسكرية، دليل على أن المشروع الذي تحمله قسد يتجاوز حدود اللحظة الراهنة، ويتطلع إلى بناء سوريا جديدة على أسس أكثر عدالة وشراكة.

من هنا، يمكن فهم نجاح المفاوضات الأخيرة بين قسد وسلطات دمشق بشأن الوضع الإنساني والإداري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، باعتبارها ثمرة لهذا النهج. فبعيدًا عن التصعيد والمزايدات الإعلامية، نجحت قسد في الوصول إلى تفاهمات تراعي مصلحة السكان وتحافظ على الاستقرار الأمني والمعيشي، وهو ما كان بعيد المنال في ظل خطاب المواجهة والتخوين المتبادل.

الأمر ذاته ينطبق على التفاهمات حول إدارة سد تشرين في ريف منبج، الذي يشكل شريانًا حيويًا لملايين السوريين في الشمال الشرقي. عبر قنوات التفاوض والتنسيق، استطاعت قسد تجنيب المنطقة نزاعًا محتملاً كان سيؤدي إلى كارثة إنسانية، وأثبتت مرة أخرى أن الحلول الممكنة لا تأتي من فوهة البندقية بل من طاولة الحوار.

إن هذه النجاحات المتتالية تدل على أن قسد، بعيدًا عن محاولات التشويه، ليست ميليشيا تبحث عن نفوذ، بل مشروع وطني سوري هدفه الأسمى هو تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد. وهي تدرك أن الاستقرار لا يمكن فرضه بالقوة، بل يُبنى عبر شراكات متوازنة مع مختلف القوى السورية، على قاعدة المواطنة واللامركزية والحكم الرشيد.

وفي وقت تتسابق فيه أطراف الصراع نحو صفقات آنية أو اصطفافات إقليمية، تقدم قسد نموذجًا ثالثًا مختلفًا، قد يبدو بطيئًا في نتائجه، لكنه أكثر رسوخًا واستدامة. فالحوار لم يكن يومًا علامة ضعف، بل عنوان نضج سياسي وشجاعة في مقاربة التعقيدات. وهذا بالضبط ما تحتاجه سوريا اليوم.

شاهد أيضاً

تـ.ـوتر ودعـ.ـوات احتـ.ـجاجية في الرقة رفـ.ـضاً لاحتـ.ـمال الإفـ.ـراج عن قيـ.ـادي سـ.ـابق في جـ.ـماعة مسـ.ـلحة

أثارت قضية اعتقال المدعو “تركي البوحمد”، القيادي السابق فيما كان يعرف بـ“قوات العشائر”، حالة من …