أخبار عاجلة

التسـ.ـامح كأداة استـ.ـراتيجية: قـ.ـراءة في رهـ.ـانات “قـ.ـسد” لتأسـ.ـيس حـ.ـالة وطـ.ـنية مستـ.ـدامة.

في ظل التصدعات البنيوية التي تعانيها الدولة السورية، ووسط تعقيدات المشهد الجيوسياسي في شمال شرق البلاد، تبدو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وكأنها تُعيد رسم حدود مفهوم التسامح، لا كقيمة أخلاقية محضة، بل كأداة استراتيجية لبناء نموذج وطني بديل، قادر على الاستمرار، في ظل هيمنة الدولة المركزية. ليست هذه القراءة ضرباً من التأمل المثالي، بل تتكئ على ممارسات ملموسة ورهانات سياسية معلنة، تستحق التفكيك والتحليل.

عادة ما يُستحضر مفهوم التسامح في الأدبيات السياسية والأخلاقية كفضيلة شخصية أو قيمة ثقافية تُعلَّب في شعارات خطابية. لكن “قسد”، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية YPG، أعادت تدوير هذا المفهوم بوصفه أداة لإدارة التعدد الإثني والديني في مناطق سيطرتها. فالتسامح، كما تعيشه “قسد”، ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة وجودية. إذ تتكون الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها من فسيفساء سكانية تشمل الكرد والعرب والسريان والتركمان، إلى جانب تنوع ديني يشمل المسلمين والإيزيديين والمسيحيين.

هذا التعدد قرأته “قسد” بشكل متقن، وبالتالي جعلها تبني استراتيجية انفتاح سياسي واجتماعي مدروس، وهو ما عبّر عنه مظلوم عبدي، القائد العام لـ”قسد”، في مقابلة له مع صحيفة “الشرق الأوسط” (كانون الثاني 2021) حين قال: “نحن لا نبني مشروعاً كردياً، بل نؤسس لمشروع وطني تعددي يضمن حقوق كل المكونات.”

لا تكتفي “قسد” برفع شعارات عابرة للهويات، بل تسعى إلى تجسيد هذا التوجه ضمن بنيتها المؤسسية للحكم الذاتي. فقد أسست “الإدارة الذاتية” مجالس مدنية ومحلية تضم ممثلين عن مختلف المكونات القومية والدينية، في مسعى واضح لإعادة انتاج العقد الاجتماعي على المستوى المحلي، بعد تصدع شرعية الدولة المركزية. ففي الرقة، مثلاً يبرز حضور شخصيات عربية من خلفيات عشائرية ومدنية متنوعة ضمن هيئات الحكم المحلي، بينما تشهد مدينة ديريك (المالكية) تمثيلاً فاعلاً للأحزاب السريانية والمجالس الكنسية، وفي القامشلي تتقاطع التوجهات الكردية المتباينة في بنية المجالس المحلية. هذا التنوع المؤسسي انعكس بشكل مباشر على الهيكل التنظيمي لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، الذي يعد بوصفه الإطار السياسي الجامع لأبناء المنطقة، بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية.

المفارقة أن العدو التركي – بحجته المعلنة عن محاربة “الإرهاب” – ساهم موضوعياً في دفع “قسد” لتعزيز نموذجها التعددي. فكل توغل تركي – من عفرين إلى سري كانيه – كان فرصة لـ”قسد” لإعادة تعريف مشروعها الوطني كحالة دفاع عن التعدد والاعتدال في مواجهة نزعة قومية تركية تطهيرية. تقول إلهام أحمد، الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية في أحد لقاءاتها مع معهد واشنطن: “ما نواجهه هو ليس حرباً على الكرد فقط، بل على مشروع التعايش الذي بنيناه في شمال وشرق سوريا.”

في المحصلة، يمكن القول إن “قسد” استخدمت التسامح لا بوصفه مجرد غطاء ناعم لسلطة الأمر الواقع، بل كوسيلة لإعادة هندسة الاجتماع السياسي في منطقة مفككة. هذا لا يعني غياب الأخطاء، لكن الرهان على التسامح كأداة استراتيجية – في بيئة اعتادت الانقسام والتخوين – يظل تجربة تستحق الدراسة، وربما، في لحظة ما بعد الحرب، يمكن أن تُستعاد كنموذج وطني أوسع، إذا ما أُتيحت له شروط الحياة.

شاهد أيضاً

نحو مـ.ـعادلة جـ.ـديدة في المنطقة… مقـ.ـاتلو الكـ.ـردستاني يـ.ـصنعون الـ.ـسلام في المنطقة

بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح، أعلن حزب العمال الكردستاني في بيان رسمي …