خمسة أشهر مضت منذ سقوط نظام البعث وسيطرة هيئة تحرير الشام على مناطق واسعة من البلاد، ومع هذا التحول الجذري في المشهد السياسي، بدأت تتكشف معالم نظام جديد، يحمل في طياته تناقضاً صارخاً بين الوعود العلنية بالديمقراطية والحرية، وبين واقع ميداني يعج بالانتهاكات والاعتقالات والمجازر، خصوصاً ضد النساء والطوائف والمجتمعات المهمشة.
أولى خطوات سلطة دمشق كانت تغيير المناهج التعليمية في 31 كانون الأول، شمل حذف رموز نسائية وتاريخية مثل زنوبيا ونازك العابد، واستبعاد مفاهيم علمية كنظرية التطور، في مؤشر واضح على عقلية أحادية تهدف لإعادة تشكيل الهوية الوطنية برؤية ضيقة تُقصي الآخر.
في 6 آذار، شهدت مدن الساحل السوري، وعلى رأسها اللاذقية وطرطوس، مجازر واسعة بحق أبناء الطائفة العلوية، نفذها عناصر تابعون لسلطة دمشق تحت ذريعة “ملاحقة فلول النظام السابق”. ووفقاً لشهادات محلية، تم اختطاف آلاف النساء، خاصة من العائلات العلوية، ما يعيد إلى الأذهان الفظائع التي ارتكبت بحق الإيزيديات في شنكال عام 2014.
في دمشق، التي كانت تُعرف بتنوعها الطائفي والثقافي، خيّم الخوف على الحياة اليومية. فالنساء اللواتي كنّ في طليعة المشهد المدني بات حضورهن في الشوارع نادراً، وتزايدت حالات الاعتقال والخطف، حيث يبدو النهار في دمشق طبيعياً، لكن خلال الليل تتحول المدينة إلى مسرح لغارات مسلحة، اعتقالات، وعنف صامت لا يُبلغ عنه أحد خوفاً من الانتقام.
تقارير ميدانية تفيد بوقوع دعوات إجبارية للدخول في الإسلام في حلب
في حلب، لا تبدو الصورة أفضل، حيث تفيد تقارير ميدانية بوقوع دعوات “إجبارية” للدخول في الإسلام في أحياء آشورية، فيما تُفرض إجراءات أمنية قاسية على السكان. العديد من الأهالي لجأوا إلى أحياء ترفض الخضوع للسلطة، مثل الشيخ مقصود والأشرفية، حيث بدأت موجات هجرة داخلية جديدة باتجاه مناطق مستقرة بحثاً عن الأمان.
أما في مدينة عفرين المحتلة ، فتتواصل عملية التغيير الديموغرافي والسياسي والثقافي للمدينة. عمليات خطف واغتصاب واعتقالات تطال النساء بشكل يومي، في محاولة لفرض نمط حياة يطمس الهوية الكردية والثقافية للمنطقة، وسط صمت دولي لافت.
في 28 نيسان الماضي، هاجمت مجموعات مسلحة مرتبطة بسلطة دمشق أحياء في مدينة جرمانا ذات الغالبية الدرزية، في مؤشر على انتقال آلة القمع إلى طائفة جديدة. وعلى الرغم من محاولة إشاعة الخوف، فإن مقاومة مجتمعية واسعة بدأت تتشكل، تقودها نساء وشباب يرفضون الخضوع للسلطة الجديدة.
ورغم المآسي، تبرز أصوات نسوية ومجتمعية ترفض الصمت. فنساء دمشق، وعفرين، وحلب، وحمص، يقدن اليوم مقاومة ضد سياسة تهميش المرأة وكتم صوتها، مطالبات بسوريا جديدة، تعددية، ديمقراطية، تحترم التنوع الثقافي والديني، وتحفظ للمرأة مكانتها كشريك أساسي في بناء الدولة.
إن ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد تحول سياسي، بل هو معركة وجود، يخوضها السوريون دفاعاً عن مجتمعهم وتاريخهم وحقهم في العيش بحرية وكرامة.
ROZ PRESS NEWS