في الواقع السياسي والاجتماعي السوري شديد التعقيد نتيجة حسابات دولية متشابكة وتوازنات داخلية هشة، تبرز رؤية الجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي عرضها في لقائه الأخير على قناة شمس، كطرح سياسي واقعي ومعتدل يحمل في طياته إمكانية فتح أفق جديد لحل الصراع السوري وتفكيك أدواته منذ أكثر من عقد.
يأتي طرح الجنرال مظلوم عبدي في وقت يلامس هموم جميع السوريين على اختلاف توجهاتهم بضرورة التوجه نحو صياغة أسس متينة لإنهاء معاناتهم ووقف الحرب، والتوجه نحو السلام والتفاوض كلغة بديلة عن الصراعات.
مقارنة بخطابات حادة من مختلف الأطراف السورية، يقدّم الجنرال مظلوم عبدي خطاباً عقلانياً يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات الثورية أو القومية المتصلبة. فهو لا ينادي بالانفصال ولا يسعى إلى فرض نموذج حكم إقصائي، بل يعمل لحل ضمن الإطار الوطني السوري، يقوم على اللامركزية السياسية واعتراف الدولة بهويات مكوناتها.
إن هذا الطرح لا يعارض وحدة سوريا كما تدعي بعض الأطراف المتشنجة، بل يعيد تعريفها بطريقة تعكس التعددية الواقعية على الأرض، وتخرج البلاد من دوامة الإنكار والتهميش التي كانت من أسباب اشتعال الثورة في 2011.
من جانب آخر، قد تبدو تصريحات الجنرال مظلوم عبدي حول الانفتاح على تركيا ولقائه المحتمل بأردوغان صادمة للبعض، خاصة في ظل القتال المستمر والخسائر البشرية التي تسببت بها العمليات التركية في شمال سوريا. لكن هذا الموقف، رغم حساسيته، يعكس وعياً سياسياً براغماتياً، فتركيا جارة لا يمكن تجاهل دورها، وأمن الحدود مسؤولية مشتركة، وفتح قنوات الحوار أفضل من الركون إلى لغة السلاح.
هذا الانفتاح (باللغة الدبلوماسية)يتكئ على أسس الواقعية السياسية، ولا يعني تبعية أو تنازلاً عن حقوق الكرد أو قسد، بل هو محاولة لكسر الجمود، وربما اختراق حواجز العداء المتصلّب في العلاقة بين أنقرة وشمال شرق سوريا.
طرح الجنرال مظلوم عبدي فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري كجزء من تسوية سياسية هو تطوّر مهم يتطلب دعماً سياسياً ومجتمعياً واسعاً، فهذه المبادرة قد تكون الجسر الذي يعيد توحيد القوات المسلحة تحت مظلة وطنية إذا ما توفرت الإرادة السياسية في دمشق.
فالدمج لا يعني الذوبان أو الإلغاء، بل هو اعتراف رسمي بدور “قسد” في محاربة الإرهاب وحماية الاستقرار في شرق الفرات، ويمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة صياغة المؤسسة العسكرية السورية بطريقة أكثر تمثيلاً وعدالة.
على خلاف بعض القيادات العسكرية أو السياسية السورية التي تتبنى خطاباً طائفياً أو إقصائياً، يحرص الجنرال مظلوم عبدي على تقديم خطاب جامع يتحدث عن “سكان شمال وشرق سوريا” من عرب وكرد وسريان وآشوريين، ويتحدث عن مشروع سياسي يضمن حقوق الجميع دون احتكار.
هذا الخطاب مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، لتقويض سرديات التطرف والانفصال والتفكك.
إن رؤية الجنرال مظلوم عبدي تمثل طرحاً براغماتياً وناضجاً في بيئة سياسية معقدة، وتقدّم نموذجاً قابلاً للتفاوض والبناء عليه. قد لا تكون هذه الرؤية مثالية، لكنها تحاكي الواقع، وتُعلي من شأن الحوار على حساب الحرب، ومن شأن التفاهم على حساب الإقصاء.
وفي لحظة تاريخية يتجاذب فيها المشروع السوري بين التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية، فإن مثل هذا الخطاب هو ما تحتاجه سوريا فعلاً… خطاب يعترف بالواقع، ويبحث عن حلول داخلية تجنب البلاد المزيد من الدماء والانهيار.
ROZ PRESS NEWS