في مشهد يُعيد ترتيب ملامح التواطؤ الرسمي، أثار ظهور فادي صقر، المتزعم السابق في ميليشيا “الدفاع الوطني”، ضمن نشاطات ما يُسمى بـ”مسار السلم الأهلي”، موجة من الغضب الشعبي والانتقادات الحقوقية. فادي، المعروف بتورطه في انتهاكات دامية بحق مدنيين خلال السنوات الأولى من الحرب، لم يُقدَّم إلى المحاسبة، بل ظهر وكأنه يُكافأ بمنبر جديد لتبييض تاريخه، تحت غطاء “المصالحة الوطنية”.
في سوريا اليوم، لا يبدو أن مسارات العدالة تمرّ عبر المؤسسات الرسمية، بل تُختصر بمراسم شكلية تمنح الغفران للجلادين، وتتجاهل معاناة الضحايا.
فادي صقر ليس سوى وجه واحد من شبكة أوسع تضم شخصيات عسكرية ومدنية ارتكبت انتهاكات جسيمة، سواء ضمن صفوف سلطات دمشق أو في المناطق الخاضعة للاحتلال التركي. هذه الشخصيات، بدلاً من مساءلتها، يتم دفعها إلى الواجهة تحت مسميات “الوحدة الوطنية” و”السلم الأهلي”، بما يعكس توجهاً خطيراً نحو شرعنة الإفلات من العقاب كممارسة سياسية ممنهجة.
إعادة تدوير هذه الوجوه، التي كان يفترض أن تكون محل مساءلة قانونية ومجتمعية، يُمثّل تواطؤاً صريحاً مع سجل طويل من الجرائم
ما يجري اليوم يؤكد غياب معيار موحد للمحاسبة. فبينما تُغلق ملفات القادة المتورطين بالدماء، يُزجّ بالمئات في السجون لمجرد مطالبتهم بالحقوق. العدالة في هذا السياق لم تعد مبدأ، بل صفقة تُدار خلف الأبواب المغلقة، تُراعي الولاءات وتتنكّر للضحايا.
العدالة الانتقائية لا تصنع مصالحة حقيقية، بل تُعيد إنتاج الانقسام والكراهية. وما يُعرض على أنه “سلم أهلي”، ليس سوى تسوية قسرية فوق ركام الجرائم.
من دون مراجعة حقيقية وشاملة للانتهاكات، ومن دون محاسبة شفافة تُعيد الاعتبار للضحايا، ستبقى مشاريع السلم الوطني خالية من أي مضمون أخلاقي. بل قد تتحوّل إلى غطاء لإعادة إنتاج أنماط القمع بطرق أكثر تهذيباً، ولكن بنفس البنية السلطوية.
وفي ظل غياب أي مساءلة حقيقية، تُطرح تساؤلات ملحة:
• من يُحاسَب؟
• من يُسامَح؟
• ومن يُقرّر أن هذا هو السلام؟
ROZ PRESS NEWS