منذ سقوط نظام الأسد وتولي الفصائل المسلحة برئاسة أحمد الشرع زمام الحكم في سوريا، شهدت المرحلة الأولى تفاؤلاً عربياً واسعاً بعودة سوريا إلى الساحة العربية. تميزت البداية بنشاط دبلوماسي مكثف، بيانات ترحيبية، واهتمام إعلامي ملحوظ بالتحول السياسي. إلا أن هذا الزخم بدأ يتلاشى تدريجياً، مما يعكس تعقيدات متعددة تشمل أبعاداً سياسية واقتصادية وإنسانية.
فمن ناحية البعد السياسي، أدت التحولات الإقليمية إلى إعادة ترتيب أولويات الدول العربية، حيث تصدرت الملفات الأمنية والعسكرية مثل الأوضاع في غزة، الحرب الإسرائيلية الإيرانية، والأزمة اليمنية، وأزمات ليبيا والسودان قائمة الاهتمامات، مما دفع الملف السوري إلى الهامش.
أما على صعيد البعد الاقتصادي، فشلت سلطة دمشق في تقديم رؤية اقتصادية واضحة ومحددة تشمل خارطة طريق لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات العربية، مما أثار الحذر بين الدول العربية بشأن تقديم الدعم المباشر.
كما أن الحسابات الدولية تلعب دوراً محورياً، إذ ما يزال الدعم الغربي للحكومة الجديدة متردداً، ما يؤثر على الموقف العربي الذي يحرص على تنسيق دقيق مع الشركاء الغربيين قبل الانخراط الكامل في الملف السوري.
يبرز ملف الانتهاكات الإنسانية التي ارتكبتها سلطة دمشق في مناطق مثل السويداء والساحل كعامل رئيسي في تراجع الدعم العربي، إذ رصدت تقارير محلية ودولية اعتقالات تعسفية وممارسات قمعية ضد المدنيين، مما أثار تحفظات عربية ودولية بشأن الشرعية الأخلاقية والسياسية للحكومة، وأصبح هذا الملف أحد أبرز الأسباب وراء الحذر العربي في تقديم الدعم العلني أو الزيارات الدبلوماسية المكثفة.
خلاصة القول، لا يعكس تراجع الزخم العربي رفضاً كاملاً للحكومة أو مشروعها السياسي، بل هو نتاج تداخل ملفات إقليمية معقدة، بطء في رسم سياسة اقتصادية واضحة، والانتهاكات الإنسانية التي أثرت سلباً على المصداقية الداخلية والخارجية. ويبقى الرهان على قدرة سلطة دمشق على معالجة هذه التحديات والالتزام بالمعايير الإنسانية لاستعادة الثقة العربية والدولية بشكل ملموس.
ROZ PRESS NEWS