تشهد تركيا في السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات التي تعكس توجهاً متصاعداً نحو تقييد الحريات العامة وإضعاف أي مشروع ديمقراطي حقيقي في البلاد. آخر هذه الخطوات تمثّل في إغلاق محيط مقر حزب الشعب الجمهوري (CHP) في إسطنبول، الحزب المعارض الأكبر والأكثر رسوخاً في الحياة السياسية التركية، عقب قرار قضائي مثير للجدل بإقالة قيادة الحزب المحلية وتعيين لجنة مؤقتة لإدارة شؤونه.
هذه التطورات لا يمكن فصلها عن النهج السياسي الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وهو نهج يسعى، وفق مراقبين، إلى اختزال الحياة السياسية في حزب واحد ورجل واحد، وتحويل النظام السياسي التركي من ساحة تنافس حزبي إلى مجال ضيق لا يتسع إلا لصوت السلطة.
إقدام الشرطة التركية على فرض طوق أمني حول مقر حزب الشعب الجمهوري، وإقامة الحواجز وإغلاق المداخل، يعكس استخدام أدوات الدولة الأمنية والقضائية لتصفية الحسابات السياسية. القرارات القضائية، التي كان يفترض أن تكون ضمانة للعدالة، باتت تُوظَّف لإقصاء الخصوم وإعادة تشكيل المعارضة بما يتناسب مع مصالح الحزب الحاكم.
في هذا السياق، حذّرت وزارة الداخلية من أي تجمعات احتجاجية واعتبرتها “غير قانونية”، في خطوة تهدف عملياً إلى حرمان المواطنين من حقهم الدستوري في التعبير والتظاهر السلمي. قرار حكومة ولاية إسطنبول بفرض “حظر التجمعات” في ست مناطق مركزية من المدينة – مثل بشيكتاش وشيشلي وبيه أوغلو – يكشف مدى الخشية من أي حراك جماهيري قد يكسر دائرة السيطرة.
هذه الإجراءات أصبحت جزءاً من سياسة ممنهجة يتبعها حزب العدالة والتنمية منذ سنوات، خصوصاً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. ففي أعقاب تلك المرحلة، شهدت البلاد، اعتقالات واسعة طالت صحفيين وأكاديميين وناشطين مدنيين، إغلاق وسائل إعلام معارضة أو وضعها تحت الوصاية الحكومية، وتعديلات دستورية كرّست النظام الرئاسي ومنحت أردوغان صلاحيات شبه مطلقة.
هذه الخطوات مجتمعة تؤكد أن الحزب الحاكم لا يرى في التعددية السياسية سوى تهديد يجب احتواؤه أو القضاء عليه، وأنه يفضل إحكام قبضته على مؤسسات الدولة على حساب المسار الديمقراطي.
اللافت أن كل هذه الإجراءات تأتي تحت مبرر واحد متكرر، الحفاظ على النظام العام. لكن هذا الشعار، بحسب منتقدين، لا يعدو كونه غطاءً لسياسة تقويض الديمقراطية وإسكات الأصوات المعارضة. فالنظام العام في أي دولة ديمقراطية يفترض أن يُصان عبر الحوار والالتزام بالقانون، لا عبر تقييد الحريات وإقصاء الخصوم السياسيين.
الخطوة الأخيرة ضد حزب الشعب الجمهوري، بما يمثله من ثقل سياسي وتاريخي، توحي بأن حزب العدالة والتنمية يسعى إلى إجهاض أي مشروع ديمقراطي حقيقي في تركيا، وفرض واقع سياسي يقوم على حزب مهيمن ومعارضة محاصرة ومجتمع مدني مُكبّل.
.
بزعامة أردوغان، يتجه حزب العدالة والتنمية إلى إعادة تشكيل تركيا على مقاس السلطة وحدها، عبر أدوات القضاء والأمن والتشريع، في محاولة لخنق الحريات وتهميش التعددية. وبينما تُرفع لافتة “النظام العام”، تتراجع الديمقراطية خطوة بعد أخرى، ليبقى السؤال مفتوحاً.. هل ينجح الشارع التركي في الدفاع عن تجربته الديمقراطية، أم أن الحياة السياسية ستختزل في ظل حزب واحد وزعيم واحد؟
ROZ PRESS NEWS