حتى أيام قليلة، لم يكن سكان دير حافر يتوقعون أن تعود أصوات المدافع والطائرات المسيّرة لتخترق سماء قراهم، وتعيد مشاهد الدم والدمار إلى بيوتهم. ففي قرية أم التينة التابعة لمنطقة دير حافر، فقد ثمانية أشخاص حياتهم، بينهم نساء وأطفال، نتيجة قصف مدفعي وصاروخي نفذته قوات تابعة لسلطة دمشق. ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد، إذ توفي الرضيع “عمر” متأثراً بجراحه، بينما أصيب أربعة أطفال آخرون بجروح متفاوتة في قرية زبيدة المجاورة.
الهجمات لم تقتصر على المدنيين، إذ استهدفت طائرتان مسيّرتان انتحاريتان نقطة عسكرية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محيط المنطقة، ما أدى إلى استشهاد أحد مقاتليها. هذه التطورات المتسارعة فتحت الباب أمام تساؤلاتٍ حول الأطراف المستفيدة من تفجير الأوضاع في هذه الجبهات، خصوصاً مع تصاعد التوترات الميدانية مؤخراً.
وفي مدينة حلب، لم يكن المشهد مختلفاً. فقد شهد حيّا الشيخ مقصود والأشرفية هجوماً نفذته فصائل مرتبطة بسلطة دمشق، استُخدمت فيه طائرة مسيرة لاستهداف مواقع تابعة لقوى الأمن الداخلي (الأسايش). العملية أعادت أجواء القلق إلى قلب المدينة المكتظة بالسكان، وكشفت أن خطوط النار ليست بعيدة عن حياة المدنيين.
ورغم أن الأحداث بدت متباعدة جغرافياً بين دير حافر وأحياء حلب الشمالية، إلا أنها تتقاطع في مضمونها ورسائلها. فالمواجهات تحمل في طياتها إشارات واضحة على أن حالة الاستنفار العسكري بين الأطراف لم تهدأ بعد. قوات قسد دفعت بتعزيزات عسكرية ثقيلة نحو محاور دير حافر، في محاولة لتثبيت خطوط دفاعية جديدة، بينما واصل الطرف الآخر هجماته المحدودة، لكنها مؤثرة من حيث توقيت الاستهداف ونوعيته. وهو ما يوحي بأن ما يجري يشكل اختباراً عملياً لمدى قدرة كل طرف على فرض قواعد جديدة للصراع في الميدان.
وسط هذه التطورات، تتوالى الأسئلة الجوهرية: لماذا تتكرر الهجمات في دير حافر والأشرفية رغم وجود اتفاقات معلنة لوقف إطلاق النار؟ هل تستهدف سلطة دمشق المدنيين عمداً لتحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية؟ وهل تسعى عبر هذه العمليات إلى فرض واقع جديد بالقوة العسكرية، في ظل حالة السيولة السياسية التي تعيشها البلاد؟
المدنيون، الذين يدفعون الثمن الأكبر دائماً، يظلون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالأهالي في دير حافر والأشرفية استعادوا في ذاكرتهم مشاهد الحرب الطويلة التي اعتقدوا أنها انتهت، ليجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة شبح القصف والتهجير وفقدان الأحبة.
وبينما تلتزم الأطراف المعنية بالصراع الصمت حيال المسؤولية المباشرة عن استهداف المدنيين، تتنامى المخاوف من أن تتحول هذه الاعتداءات إلى بداية جولة جديدة من التصعيد. جولة قد تطيح بما تبقى من هدن واتفاقات، وتعيد مشهد الحرب إلى الواجهة من جديد.
ROZ PRESS NEWS