يشكل قطاع التعليم في سوريا واحدة من أبرز الساحات التي تعكس عمق الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد، حيث تتباين نظم التدريس والمناهج بشكل واضح بين مناطق السيطرة المختلفة، ما يؤثر بصورة مباشرة على الأجيال الناشئة وهويتهم الثقافية والفكرية.
في مناطق سيطرة سلطة دمشق، يخضع التعليم لرقابة مشددة، إذ يُفرض المنهاج الرسمي المعتمد من وزارة التربية، مع تركيز كبير على اللغة العربية كلغة وحيدة للتدريس، في حين تُهمش باقي اللغات الأخرى التي تعكس التنوع القومي في سوريا. ويشير ناشطون تعليميون إلى أن بعض المواد تتضمن مضامين ذات طابع تعبوي وفكري يكرس الولاء للنظام السابق، إضافة إلى تسرب أفكار ذات صبغة دينية وجهادية في بعض المدارس، حيث يُدرَّب الطلاب على خطاب يقوم على الحشد العقائدي أكثر من البناء العلمي. هذا التوجه، وفق مراقبين، يخلق بيئة تعليمية مغلقة تحد من انفتاح الطلاب على القيم الإنسانية العامة.
أما في مناطق الشمال السوري الخاضعة للاحتلال التركي، فقد شهد النظام التعليمي تغيرات جذرية. إذ فُرضت اللغة التركية كلغة أساسية في العديد من المدارس، بينما أُبقيت اللغة العربية كمادة ثانوية، مع تراجع أو غياب تام للغات المكونات الأخرى مثل الكردية والسريانية. ويرى أولياء أمور أن هذه السياسة تهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بالثقافة التركية على حساب الانتماء المحلي السوري، في ظل تغييب الهوية المتعددة للمجتمع. كما أبدى معلمون مخاوفهم من أن يؤدي ذلك إلى نشوء جيل منقطع عن لغته الأم، وهو ما قد ينعكس سلباً على تماسك النسيج الاجتماعي في المستقبل.
في المقابل، اعتمدت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نموذجاً مغايراً يقوم على مبدأ التعليم بلغات الأم. فقد أتاحت للكرد والسريان والعرب وغيرهم تدريس أبنائهم بلغاتهم الأصلية، إلى جانب توفير التعليم بشكل مجاني في مختلف المراحل. ويرى القائمون على هذه التجربة أن منح الطالب حق التعلم بلغته الأم يعزز شعوره بالهوية والانتماء، كما يفتح المجال أمام تربية جيل يحترم التنوع ويعكس حقيقة التعدد القومي والديني في المنطقة. وتبقى تجربة فريدة في السياق السوري المضطرب.
إن المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة تكشف بوضوح حجم التباين في فلسفة التعليم: ففي حين يُستخدم التعليم في مناطق سلطة دمشق والشمال الخاضع لتركيا كأداة للسيطرة السياسية والثقافية، تتجه مدارس الإدارة الذاتية نحو تكريس التنوع والاعتراف بالحقوق اللغوية للمكونات. ويؤكد خبراء أن مستقبل سوريا التعليمي سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على صياغة نظام موحد يوازن بين الهوية الوطنية الجامعة والاعتراف بالتعددية التي تميز المجتمع السوري.
ROZ PRESS NEWS