أثارت خطوة مديرية التربية في محافظة حلب شمالي سوريا بتغيير اسم مدرسة تحمل اسم الشاعر السوري الكبير نزار قباني، عاصفة من الجدل في الأوساط الثقافية والتعليمية والشعبية، ليؤكد لاحقاً وزير التربية في سلطة دمشق محمد تركو أن اسم قباني سيبقى، ولن يُزال من أي منشأة تعليمية.
ورغم التراجع عن القرار، إلا أن الحادثة لم تمر مرور الكرام، بل سلطت الضوء على نهج جديد تنتهجه وزارة التربية في سلطة دمشق، يتمثل في إعادة هيكلة أسماء المدارس تحت غطاء آلية موحدة، ترجح الرموز الدينية على حساب الرموز الثقافية والوطنية التي شكلت تاريخ البلاد وهويتها المشتركة.
ونزار قباني بالنسبة للسوريين، ليس مجرد اسم، بل هو تجسيد لفكر سوري حر، وصوت ثقافي يتجاوز الطوائف والحدود، ومحاولة إزالة اسمه من مدرسة تعليمية في ريف حلب لم تكن مجرد تغيير إداري، كما وصفها ناشطون، بل رمز لتحول أيديولوجي خطير، يسعى لتغليب هوية دينية على حساب التعددية الثقافية التي طالما ميزت المجتمع السوري.
ويرى مراقبون أن حتى التراجع عن القرار لا يُغطي جوهر المشكلة، فالمشكلة تكمن وفق توصيفهم بأن الخطورة على مستقبل البلاد تكمن في أن فكرة مثل هذه قد انطلقت من مؤسسة تربوية رسمية، هو دليل على اختلال في البوصلة الوطنية، وتحول في أولويات المؤسسات التعليمية من تعزيز التنوع والانفتاح، إلى فرض رؤى أحادية تخدم أجندات دينية أو سياسية ضيقة.
وزارة التربية طالبت في بيان من مديريات التربية في المحافظات اعتماد آلية موحدة من خلال اقتراح أسماء جديدة وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، والرموز الدينية والثقافية والتاريخية، إلى جانب الشخصيات الوطنية والعلمية.
لكن في التطبيق العملي، أظهرت الوقائع أن الرموز الدينية الإسلامية هي التي تصدرت المقترحات، في ظل تهميش ممنهج للرموز الثقافية والفكرية التي لا تُساير الرؤية الدينية الرسمية. وهذا يضع الكثير من التساؤلات في دائرة الضوء، من ناحية خطط مؤسسات الدولة نحو أسلمة المؤسسات التعليمية، خاصة مع انتشار فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي تظهر ترديد شعارات دينية من قبل التلاميذ بتوجيه من معلميهم.
ويؤكد مراقبون أن تفضيل الأسماء الدينية على الرموز الوطنية المشتركة يعمق الشعور بالتهميش لدى المكونات غير المسلمة أو غير المتدينة، كما أنه يقوض الثقة بالدولة كممثل جامع لكل السوريين.
بالإضافة إلى ذلك فإن الخطوة تمثل تراجعاً في الانتماء الثقافي لدى شريحة واسعة من الجيل الناشئ، كما أنها تكرس مبدأ فرض هوية أحادية على كافة المكونات السورية.
إن ما حدث في حلب هو ناقوس خطر حقيقي، وفق مراقبين، وإذا لم يتوقف هذا المسار الرمزي الإقصائي، فإن سوريا قد تجد نفسها بعد الحرب أمام انقسامات جديدة تُصنع داخل المدارس، في الكتب، وفي الأسماء، لا في ساحات القتال.
ROZ PRESS NEWS