في خطوة وُصفت بأنها ضربة جديدة للهوية الثقافية الكردية في شمال سوريا، أقدمت سلطة دمشق المدعومة من تركيا على إلغاء تدريس اللغة الكردية من المناهج الدراسية في مدارس مدينة عفرين وريفها، لتختفي آخر مظاهر التعليم باللغة الأم لأبناء المنطقة، بعد سبع سنوات من سيطرة المرتزقة على المدينة.
وكانت اللغة الكردية، في فترة الإدارة الذاتية السابقة، تدرَّس إلى جانب اللغة العربية كلغة رسمية ضمن المنهاج الدراسي، في تجربة غير مسبوقة داخل سوريا أتاحت للأجيال الناشئة فرصة التعلم بلغتهم الأم. إلا أنّ هذا الواقع تغيّر جذرياً بعد سيطرة القوات التركية والمرتزقة الموالية لها على عفرين في آذار/مارس 2018، حيث خضعت المناهج لتعديلات متتالية، بدأت بتقليص حصص اللغة الكردية إلى ساعتين أو أربع ساعات أسبوعياً، قبل أن يصدر القرار الأخير بإلغائها نهائياً.
الناشط الحقوقي إبراهيم شيخو، من “منظمة حقوق الإنسان في عفرين”، وصف القرار بأنه “محاولة ممنهجة لطمس الهوية القومية والثقافية للمنطقة”. وأضاف في تصريح صحفي أن عفرين، التي كانت تعرف تاريخياً باسم “جياي كرمنج” وتعني “جبل الكرد”، كانت تشكل رمزاً للتنوع الثقافي والتعايش، إلا أن السياسات الجديدة “تحاول محو أي أثر للوجود الكردي عبر استهداف لغتهم وثقافتهم وحتى معالمهم التاريخية”.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن نسبة السكان الكرد في عفرين كانت تفوق 95 بالمئة قبل عام 2018، غير أن حملات التهجير التي رافقت العمليات العسكرية أدت إلى تغييرات ديموغرافية واسعة، إذ استُقدمت عائلات من مناطق أخرى في سوريا لإسكانها في منازل المهجرين الكرد. ومع هذه التغييرات، باتت اللغة الكردية تواجه خطر الاندثار في المدارس والمؤسسات التعليمية.
من جانب آخر، يعتبر مراقبون أن قرار الإلغاء يأتي في سياق سياسة أوسع تتبعها السلطات المحلية الخاضعة للنفوذ التركي، تهدف إلى “تتريك” المنطقة ثقافياً وتعليمياً، من خلال فرض مناهج تستند إلى النموذج التركي، وتكثيف استخدام اللغة التركية في المدارس، حتى في المراحل الابتدائية. ويشير هؤلاء إلى أن المدارس في عفرين اليوم ترفع العلم التركي إلى جانب علم “سلطة دمشق ”، وتستخدم كتباً تحمل رموزاً وشعارات تركية رسمية.
وتحذر منظمات حقوقية دولية من أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأقليات الثقافية واللغوية، المنصوص عليها في المواثيق الدولية، ولا سيما المادة (27) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن حق الأفراد في استخدام لغاتهم وممارسة ثقافاتهم.
ويرى ناشطون أن إلغاء اللغة الكردية لا يقتصر على بعده التعليمي، بل يتجاوز ذلك إلى مسعى لطمس هوية مجتمعٍ بأكمله، وقطع صلته بتراثه اللغوي والأدبي الممتد عبر قرون. وبينما تلتزم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الصمت تجاه ما يحدث في عفرين، يطالب الأهالي بإعادة إدراج اللغة الكردية في المناهج كحق أساسي، بعيداً عن التجاذبات السياسية والهيمنة العسكرية.
وهكذا، يبدو أن القرار الأخير بإلغاء تدريس اللغة الكردية ليس مجرد إجراء إداري، بل حلقة جديدة في سلسلة سياسات تستهدف الهوية القومية الكردية، وتحوّل التعليم إلى ساحة صراع سياسي وثقافي، في وقتٍ تزداد فيه المخاوف من ضياع ذاكرة الأجيال الجديدة بلغتهم الأم في مدينة كانت يوماً ما عنواناً للتنوع والانفتاح.
ROZ PRESS NEWS