يبرز مفهوم الحرب الشعبية الثورية، في ظلّ التحولات المتسارعة في شمال وشرق سوريا، كأحد أبرز الركائز الدفاعية التي تعتمد عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مواجهة التهديدات المستمرة، سواء من بقايا تنظيم داعش أو من الأطراف الإقليمية الطامعة في تقويض تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية.
ففي حين تمتلك قسد بنيةً عسكرية منظّمة ومدرّبة، فإنّ نجاح أي مشروع تحرري لا يُقاس فقط بعدد المقاتلين أو نوعية الأسلحة، بل بمدى تجذر المقاومة داخل المجتمع نفسه، وهو ما تعبّر عنه نظرية الحرب الشعبية الثورية، القائمة على مشاركة المدنيين في حماية أرضهم ومكتسباتهم من خلال الوعي والتنظيم والدعم اللوجستي والمعنوي.
تاريخيًا، تُظهر التجارب الثورية أن أي قوة عسكرية دون قاعدة شعبية داعمة تُهزم مهما بلغت قوتها. فالتجربة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو مثال واضح على ذلك، إذ تحوّل الشعب الكوبي من متفرّج إلى مشارك فعلي في الثورة، مانحًا المقاتلين غطاءً اجتماعيًا ومصدرًا دائمًا للإمداد. كما أن تجربة فيتنام ضدّ الاحتلال الأمريكي تُدرّس حتى اليوم كنموذج في الحرب الشعبية، حيث تلاحم الفلاحون والمقاتلون في معركة واحدة انتهت بانتصار الإرادة الشعبية على التفوق العسكري.
في السياق السوري، يمكن تلمّس ملامح هذه الفكرة في السويداء، حيث تشكّلت مجموعات محلية من أبناء المنطقة للدفاع عن مجتمعهم في وجه الفوضى والتهديدات الأمنية، رافعين شعار “الأرض لمن يحميها”. وفي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، لعبت لجان الحماية الشعبية دورًا محوريًا في التصدي للهجمات، مؤكدين أن حماية الحي مسؤولية جماعية لا تقتصر على المقاتلين فقط.
أما في شمال وشرق سوريا، فإن الحرب الشعبية الثورية ليست مجرد نظرية، بل ممارسة يومية تتجسد في دعم المجتمعات المحلية لقوات قسد، سواء عبر العمل التطوعي، أو المساهمة في الخدمات المدنية أثناء الأزمات، أو من خلال تشكيل شبكات إنذار وتنظيم شعبي في القرى والمدن. هذه الروح المجتمعية جعلت المنطقة أكثر قدرة على الصمود أمام محاولات زعزعة الاستقرار، وأفشلت خطط الاختراق الأمني والتهجير القسري.
ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن أي تراخٍ في ترسيخ هذا المفهوم سيجعل مصير المنطقة شبيهًا بما حدث في الساحل السوري، حيث أدى غياب المقاومة الشعبية المستقلة إلى تحويل المجتمع إلى متلقٍّ للقرارات بدل أن يكون صانعًا لها، مما سمح للقوى العسكرية والسياسية المتصارعة بالتحكم بمصيره.
إنّ الحرب الشعبية الثورية ليست حرب سلاح فقط، بل هي حرب وعي وإرادة، هدفها تمكين المجتمع من الدفاع عن ذاته فكريًا وسياسيًا وأمنيًا. إنها رسالة مفادها أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع حين يتكاتف الناس حول مشروع مشترك يؤمنون به.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ مستقبل شمال وشرق سوريا لن تحدده المعارك وحدها، بل قدرة المجتمع على تبني ثقافة المقاومة الشعبية، وتحويل كل قرية وحيّ إلى حصن منيع في وجه أي محاولة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء.
بهذا المعنى، تصبح الحرب الشعبية الثورية ليست مجرد خيار دفاعي، بل نهج حياة يضمن أن تبقى الأرض والكرامة بيد من يزرعها ويحميها.
ROZ PRESS NEWS