تترقب الأوساط السياسية والحقوقية داخل سوريا وخارجها ما ستؤول إليه التطورات المرتبطة بملف المقاتلين الإيغور الموجودين على الأراضي السورية، وذلك بعد تداول أنباء عن نية الحكومة الانتقالية في سوريا تسليم نحو 400 مقاتل من الإيغور إلى السلطات الصينية، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عن مصدر وصفته بأنه “دبلوماسي سوري”.
وقد أشار المصدر ذاته إلى أنّ عملية التسليم ستكون مدرجة ضمن الملفات المطروحة خلال زيارة مرتقبة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إلى العاصمة الصينية بكين، وأنها قد تتم “على دفعات بناءً على طلب صيني”.
هذا التصريح أحدث تفاعلاً إعلامياً وسياسياً واسعاً، خصوصاً وأنه يأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة ترتيبات أمنية جديدة متعلقة بملف المقاتلين الأجانب، والتزامات الحكومات الإقليمية تجاه مكافحة التنظيمات المصنفة على لوائح الإرهاب دولياً. كما أنه يرتبط مباشرة بملف حقوق الإنسان وحق اللجوء والحماية، لما يواجهه الإيغور من اتهامات دولية للصين بممارسة انتهاكات واسعة بحقهم، بما في ذلك الاحتجاز القسري والتمييز الديني والثقافي، وهي اتهامات تنفيها بكين بشدة.
وما إن انتشرت هذه المعلومات حتى سارعت وزارة الخارجية في سلطة دمشق إلى إصدار بيان مقتضب نفت فيه صحة ما ورد في تقرير فرانس برس، مؤكدة أنه “لا صحة لما أوردته الوكالة حول نية سلطة دمشق تسليم أي مقاتل”، دون الاعلان عن معلومات بديلة أو تقديم تفاصيل حول حقيقة وضع المقاتلين الإيغور أو مستقبلهم القانوني. وقد فتح هذا النفي السريع الباب لعدة تساؤلات حول أسباب غياب الشرح التفصيلي، وحول سبب عدم نفي وجود مباحثات حول الملف من الأصل.
في الوقت ذاته، ذكرت شبكة DW الألمانية في تقرير منفصل أن ملف الإيغور بالفعل سيكون مطروحاً للنقاش خلال زيارة الشيباني، وأن الحكومة تعهدت للصين بأنها “لن تسمح بأي نشاط يضر بالأمن القومي الصيني” انطلاقاً من الأراضي السورية. كما نقل التقرير أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أبدى استعداد بلاده للمساهمة في جهود إعادة إعمار سوريا، وهو ما يضع الملف في سياق سياسي أوسع قد يتضمن مصالح وتفاهمات استراتيجية بين الطرفين.
ورغم تضارب الروايات بين النفي الرسمي والمصادر الإعلامية الدولية، فإن المخاوف تصاعدت بين أوساط الإيغور الموجودين في سوريا، خاصة أولئك الذين كانوا جزءاً من مجموعات مسلحة خلال سنوات النزاع، والذين يتردد أنهم يخشون مواجهة إجراءات قاسية أو محاكمات استثنائية في حال إعادتهم إلى الصين، في ظل غياب ضمانات قانونية دولية معترف بها. كما أن الوضع القانوني لهؤلاء المقاتلين لا يزال غامضاً، بين من يطالب بمحاسبتهم محلياً وفق معايير العدالة، ومن يطالب بترحيلهم إلى دول أخرى أو وضعهم تحت إشراف منظمات دولية متخصصة.
ويعيد هذا الجدل قضية الإيغور في سوريا إلى واجهة الأحداث من جديد، خاصة وأن دخولهم إلى الأراضي السورية خلال سنوات الحرب كان مرتبطاً بشكل أساسي بجماعات جهادية، من أبرزها “الحزب الإسلامي التركستاني”، الذي ينتمي معظم عناصره إلى الأقلية الإيغورية المسلمة القادمة من إقليم شينغيانغ الصيني. وقد لعب عناصر الحزب دورًا عسكريًا في عدة معارك شمال وغرب سوريا، الأمر الذي جعلهم محل اهتمام دولي أمني وإعلامي منذ بداية النزاع.
يُشار إلى أنّ الصين كانت قد امتنعت عن التصويت على مشروع قرار قُدّم إلى مجلس الأمن الدولي مطلع تشرين الثاني الجاري بشأن شطب اسم رئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من قائمة العقوبات الدولية، وهو ما يراه بعض المراقبين مؤشراً إضافياً على أن العلاقة بين الطرفين لا تزال قيد التفاوض السياسي، وأن مجموعة ملفات يتم تداولها في إطار تفاهمات دبلوماسية لم يُعلن عنها بعد بشكل رسمي وواضح.
وبين التطمينات الرسمية والقلق الحقوقي والتسريبات الإعلامية المتواترة، يبقى ملف الإيغور واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في سوريا، نظراً لتداخله بين السيادة الوطنية والالتزامات الأمنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وسط غياب تسوية قانونية واضحة ومعلنة حتى الآن.
ROZ PRESS NEWS