شهد الساحل السوري مطلع آذار/مارس الماضي أحداثًا دموية هزّت الرأي العام، بعدما انتشرت تسجيلاتٌ مصوّرة تُظهر عمليات قتلٍ جماعي بحقِّ مدنيين من الطائفة العلوية على يد قوات سلطة دمشق والفصائل الموالية لها، في مشاهدَ صادمةٍ عكست حجم الانتهاكات التي ارتُكبت خلال أيامٍ قليلة، حيث وجدت سلطة دمشق نفسها أمام اختبارٍ حقيقي يتعلق بقدرتها على التعامل مع واحدةٍ من أكبر القضايا الأخلاقية والقضائية منذ بدءِ الصراع.
تحقيق لوكالة رويترز، وثّق مقتل نحو ألف وخمسمئة شخصٍ خلال الفترة من السابع إلى التاسع من آذار، وهو رقمٌ أكدته منظماتٌ حقوقية أخرى. كما وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتلَ ألفٍ وخمسمئةٍ وسبعةٍ وخمسين مدنيًا من الطائفة العلوية.
ومع تزايد الأدلة المصوّرة وشهاداتِ السكان، ترسّخت القناعة بأن المجازر استهدفت المدنيين على أساسِ هويتهم الطائفية، ما دفعَ الأهالي للبحث عن مسارٍ قضائي يحقّق العدالة ويكشف المسؤولين عن هذه الجرائم.
ومع توالي الأدلّة المصوّرة وتزايد شهادات السكان، تكرّست القناعة بأن ما جرى ليس حادثةً فردية أو ردَّ فعلٍ عشوائي، بل عملياتِ قتلٍ ممنهج تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الجمعية للطائفة العلوية.
هذا المشهد القاتم ساهم في دفعِ الأهالي إلى البحثِ عن أي مسارٍ يمكن أن يحقّق العدالة ويكشف المسؤولين، الأمرُ الذي وضع الحكومة الانتقالية تحت ضغطٍ مضاعف ودفعها لاحقًا إلى الإعلان عن تشكيلِ لجنةِ تقصّي الحقائق.
حين أعلنت سلطة دمشق، برئاسة أحمد الشرع، تشكيل لجنةِ لتقصي الحقائق، بدا الأمر في ظاهره استجابةً لآلامِ الضحايا، إلا أن الالتزام الزمني الذي حُدد بشهرٍ واحد سرعان ما انهار بعد انتهاء المهلة دون نتائج تذكر، ثم تكررت الخيبة بعد تمديد عمل اللجنة ثلاثة أشهرٍ أخرى انتهت بلا إعلان.
ومع مرور الوقت، بدأت الاتهامات تطال اللجنة بشأن إخفاء شهاداتٍ أدلى بها أهالي الضحايا حول تورّط مسؤولين حكوميين وقادة فصائلَ عسكرية، مما عزّزَ الشعور بأن التحقيق لا يتحرك في اتجاه كشفِ الحقيقة.
وفي محاولةٍ لاحتواء غضبِ الشارع، أطلقت سلطة دمشق أول محكمةٍ خاصّة بأحداثِ الساحل في الـ الثامن عشر من تشرين الثاني الجاري في قصر العدل بحلب، إلا أن إجراءات المحكمة فتحت الباب أمام تشكيكٍ واسع في نزاهتها، خاصةً مع شكاوى متكررة تتعلق بحرمان المتهمين من اختيار محامين مستقلين، وتردّد المحامين في الدفاع خشية الضغوط، وتضارب الصلاحيات القانونية داخل المحكمة نفسها، وما رافقها من ادّعاءات المتهمين بأن الجرائم التي اقترفوها أمام الكاميرات بأنها من عملِ الذكاء الاصطناعي.
وهكذا تحوّلت المحاكمات، بدل أن تكون استكمالًا لمسار العدالة التي بدأت به لجنة التحقيق، إلى امتدادٍ لذات الأزمة التي شابت عمل اللجنة، مما جعل الملفات القضائية تبدو كمسارٍ واحدٍ متعثّر لا يهدف إلى كشف الحقيقة بقدر ما يسعى إلى إغلاقها.
مع استمرار الغموض المحيط بالتحقيقات والمحاكم، أصدرَ المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا بيانًا اعتبر فيه المحاكمات تضليلًا شكليًا لا يمتلك أي شرعيةٍ قانونية، مشيرًا إلى أن من يديرون العدالة هم أنفسهم متهمون بالضلوع في الجرائم، داعيًا الأمم المتحدة إلى إرسال مراقبين وإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وفي السياقِ نفسه، أكد المجلس الإسلامي العلوي الأعلى أن أي مسارٍ قضائي تُشرف عليه جهاتٍ يشتبه بانتهاكاتها، لن يكون نزيهًا ولا قادرًا على إنصاف الضحايا، مطالبًا بتحقيقٍ مستقل يضمن العدالة بعيدًا عن أي توظيفٍ سياسي.
وهكذا اكتمل المشهد بين لجانِ تحقيقٍ متعثّرة ومحاكماتٍ مشكوكٍ فيها ومجالسَ أهلية وسياسية تطالب بمسارٍ حقيقي يعيد للضحايا حقّهم ويضع القضية في إطارها العادل.
ROZ PRESS NEWS