شهدت عدة مدن سورية، خروج مسيرات مؤيدة لسلطة دمشق، في مشهد أعاد تأجيج النقاش حول طبيعة المرحلة السياسية الحساسة التي تعيشها البلاد مع اقتراب الذكرى السنوية لسقوط النظام السوري السابق. ورغم ظهور هذه الفعاليات في صورتها العلنية كتحركات شعبية داعمة للحكومة، فإن مضمونها وما تخللها من خطابات أثار موجة واسعة من الجدل والمخاوف.
وبحسب مراقبين، فإن المسيرات لم تعكس فقط حالة اصطفاف سياسي، بل كشفت عن “ازدواج في الوجود داخل الخطاب الرسمي”، والفجوة التي تتسع بين ما تعلنه سلطة دمشق من التزام بالوحدة الوطنية، وبين الممارسات والخطابات التي شهدتها ساحات التجمعات. ففي الوقت الذي اكتفت فيه الجهات الرسمية بتغطية الاحتشاد الشعبي باعتباره دليلاً على التأييد والمساندة، تضمن المشهد جانباً آخر من الخطابات العلنية التي حملت طابعاً طائفياً وتحريضياً موجهاً ضد مكونات سورية متعددة، شملت العلويين والدروز والكرد والمسيحيين، في بث مباشر عبر التلفزيون الرسمي.
هذا التناقض أثار تساؤلات متزايدة حول جدية الحكومة في الالتزام بمبادئها المعلنة، لا سيما أن عدداً من المتحدثين في تلك الفعاليات استخدموا لغة اعتبرها حقوقيون ومحللون “مناقضة تماماً لمبدأ الوحدة الوطنية”، ومقلقة من حيث إمكانية استغلال هذه الفعاليات لأهداف سياسية تتجاوز إطارها الظاهر، خاصة مع حضور مسؤولين حكوميين في بعضها.
وتزداد حساسية هذا التطور في ظل وجود اتفاق موقّع في آذار الماضي بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، تضمّن بنوداً واضحة تتعلق بضمان حقوق جميع المكونات السورية، ونبذ خطاب الكراهية، ومحاربة الطائفية، وتعزيز السلم الأهلي. وقد مثّل هذا الاتفاق حينها خطوة اعتبرها كثيرون تاريخية، وضرورة لإنهاء سنوات من الانقسامات، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار.
ويتقاطع ذلك مع ما ورد في ما يُعرف بـ”الإعلان الدستوري” لسلطة دمشق، الذي نصّ بدوره على التزام صريح بنبذ خطاب التمييز والكراهية، وتعزيز التعايش السلمي، وحماية الوحدة الوطنية دون أي اعتبارات دينية أو عرقية. لكن صمت الحكومة حيال الخطابات المثيرة للانقسام، التي ظهرت خلال المسيرات الأخيرة، أثار حالة من الشك والقلق لدى المواطنين، الذين رأوا في هذا التجاهل إشارة إلى احتمال التراجع عن الالتزامات السابقة.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّر العديد من السوريين عن خشيتهم من أن تؤدي مثل هذه التطورات إلى زيادة الانقسامات الداخلية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الثقة المفقودة بين مكونات المجتمع، لا إلى تغذية خطاب الإقصاء أو التحريض. وأكد عدد من الناشطين أن المرحلة الحالية تتطلب التزاماً فعلياً، مجرد شعارات بتطبيق مبادئ السلم الأهلي والتعايش.
ويشير محللون سياسيون إلى أن ما حدث أمس لا يمكن اعتباره مجرد “خلل في إدارة الفعاليات”، بل هو تجلٍّ لأزمة أعمق تتعلق بالبنية السياسية والإدارية للحكومة الانتقالية نفسها. فبينما تعمل الحكومة على إظهار نفسها كسلطة تتبنى خطاباً وطنياً موحداً، تتسع فجوة التطبيق على الأرض، ما يعكس وفق توصيف بعض المراقبين حالة “فصام بين الإرادة والممارسة”، أو “ازدواج الوجود” بين ما يُعلن وما يُنفذ.
ويرى خبراء أن الحكومة أمام “اختبار جدّي” في الأيام المقبلة، خاصة مع اقتراب الذكرى الرمزية لسقوط النظام السابق، وهي فترة يتوقع أن تشهد تحركات سياسية ومجتمعية حساسة. فإما أن تثبت عبر إجراءات واضحة أنها ملتزمة بمبادئ الاتفاقات الموقعة وخطابها الدستوري، أو تترك الشارع يستنتج أنها تتراجع عن تلك الالتزامات، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات والانقسامات.
وفي ظل هذه التطورات، يبرز سؤال محوري يتردد اليوم داخل الأوساط الشعبية والسياسية: هل تمضي سلطة دمشق نحو ترسيخ خطاب وطني جامع، أم تنزلق إلى ممارسات تعيد إنتاج الانقسام وتعمّق الشروخ داخل المجتمع السوري؟ إجابة هذا السؤال، كما يرى مراقبون، قد تحدد شكل المرحلة المقبلة، ومسار الاستقرار المرهون بقدرة السلطة على تحقيق الانسجام بين خطابها وممارساتها.
ROZ PRESS NEWS