في ظل تعقيدات المشهد السوري وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، أعاد الهجوم الذي استهدف القوات الأمريكية في منطقة تدمر فتح باب واسع من التساؤلات حول الجهة المنفذة، والجهة المستفيدة، والتوقيت الذي وقع فيه هذا الهجوم، خصوصاً أنه جاء في مرحلة حساسة تتعلق بإعادة ترتيب العلاقات بين التحالف الدولي والجهات الأمنية التابعة لسلطة دمشق الجديدة.
الهجوم لم يكن حدثاً عابراً، بل حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، أبرزها أنه كشف هشاشة المنظومة الأمنية في مناطق سيطرة سلطة دمشق، وطرح علامات استفهام حول طبيعة الشراكة الأمنية بين التحالف الدولي وما يسمى “الأمن العام” التابع لسلطة الجولاني. فبحسب تصريحات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، فإن العنصر المنفذ كان معروفاً لدى الأجهزة الأمنية بحمله أفكاراً متطرفة منذ أيام قبل تنفيذ الهجوم، مع الإقرار بوجود نية لاتخاذ إجراء بحقه، إلا أن ذلك لم يتم قبل وقوع العملية.
هذا الاعتراف بحد ذاته يمثل إقراراً بفشل أمني خطير، ويعكس خللاً بنيوياً في آليات المتابعة والرقابة داخل المؤسسات الأمنية، ويثير مخاوف جدية لدى التحالف الدولي من احتمالية تسرب المعلومات أو تنفيذ هجمات مستقبلية من داخل المنظومة نفسها. فحين يكون المنفذ جزءاً من جهاز أمني رسمي، فإن الثقة تصبح موضع شك، لا سيما في العمليات المشتركة التي تتطلب تنسيقاً عالياً وحساسية مفرطة.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الهجوم قد يكون نقطة تحول في علاقة التحالف الدولي مع الأمن السوري، وربما يشكل “القشة التي تقسم ظهر الثقة”، على حد تعبير بعض المحللين. فالتجربة السابقة للتحالف مع جهات غير منضبطة أيديولوجياً أو أمنياً أثبتت أنها تحمل مخاطر كبيرة، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم خياراتها وشركائها على الأرض.
وعلى الضفة الأخرى، تبرز قوات سوريا الديمقراطية كطرف يُعاد تسليط الضوء على دوره، ليس بوصفه منفذاً أو محرضاً، بل كجهة حافظت على شراكة مستقرة مع التحالف الدولي على مدى أكثر من عشر سنوات. ففي هذه الشراكة الطويلة، لم تُسجل حوادث استهداف مباشرة للقوات الأمريكية، بل على العكس، وُصفت العلاقة بين الطرفين بأنها واحدة من أكثر العلاقات العسكرية ثباتاً في تاريخ تدخل الجيش الأمريكي خارج حدوده، وفق ما أشار إليه الصحفي الأمريكي ديفيد إغناطيوس، الذي لفت إلى مستوى الثقة غير المسبوق بين الطرفين.
ورغم ذلك، يخرج إعلام محسوب على السلطة في دمشق ليردد خطاباً مفاده أن “دمشق سحبت البساط من تحت أقدام قسد”، في محاولة لتسويق رواية سياسية لا تنسجم مع الوقائع الميدانية. فالإخفاق الأمني الذي وقع في البادية السورية يعكس أزمة عميقة في فلسفة إدارة الأمن لدى السلطة الجديدة، أكثر مما يعكس قدرة على فرض الاستقرار أو تقديم بديل موثوق للتحالف الدولي.
كما أن توقيت الهجوم، الذي جاء بعد أسابيع من انخراط قوات سلطة دمشق مع التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، يثير تساؤلات إضافية حول الرسائل التي يراد إيصالها، والجهات التي تسعى لإفشال أي مسار تعاون خارج إطار السلطة المركزية.
في المحصلة، يعيد هجوم تدمر التأكيد على أن معادلة الأمن في سوريا ما زالت هشة، وأن اختيار الشركاء المحليين يبقى عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل أي استراتيجية دولية. وبينما تتزايد الشكوك حول أداء الأجهزة الأمنية في مناطق سيطرة دمشق، تبدو مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، مرة أخرى، كمساحة أكثر استقراراً بالنسبة للتحالف الدولي، في مشهد مفتوح على مراجعات قاسية قد تفرضها التطورات القادمة.
ROZ PRESS NEWS