في تطور أمني لافت، أعاد الهجوم الذي استهدف مدينة تدمر فتح ملف الصراعات الداخلية بين أجنحة السلطة والقوى المتنفذة في المشهد السوري الراهن، كاشفاً عن تعقيدات تتجاوز البعد الأمني المباشر، لتلامس توازنات النفوذ، وصراع الولاءات، ومحاولات فرض الوقائع داخل بنية الحكم والقوات المسلحة والأمنية.
الهجوم، الذي وقع في منطقة ذات رمزية استراتيجية وأمنية، لم يُقرأ من قبل متابعين على أنه عملية معزولة أو حدث عابر، بل اعتُبر رسالة سياسية – أمنية متعددة الاتجاهات. فبحسب مصادر مطلعة، يعكس الهجوم احتدام التنافس بين أكثر من جناح داخل السلطة، في مرحلة يحاول فيها أحمد الشرع تقديم نفسه بوصفه صاحب القرار الأول والقادر على ضبط القوى العسكرية والأمنية المتنوعة.
القراءة الأبرز للهجوم تركز على إحراج الشرع وإظهاره بمظهر العاجز عن السيطرة الكاملة على التشكيلات التابعة له، أو تلك التي تعمل ضمن مظلته الشكلية. فالهجوم جاء في توقيت حساس، يتزامن مع مساعٍ لإعادة ترتيب العلاقة مع أطراف إقليمية ودولية، ومحاولات فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع التحالف الدولي، وهو ما ترفضه بعض الجماعات الجهادية المتشددة داخل البنية الأمنية والعسكرية.
تشير معطيات متداولة إلى وجود أكثر من جناح فاعل داخل السلطة. الجناح الأول يُصنف على أنه الأقرب إلى تركيا، ويضم شخصيات أبرزها الشيباني، إضافة إلى فصائل تركمانية تتمتع بنفوذ ميداني ودعم مباشر. هذا الجناح يركز على تثبيت المصالح التركية وضمان استمرار التأثير العسكري والسياسي لأنقرة في المناطق الخاضعة للنفوذ المشترك.
في المقابل، يبرز جناح ثانٍ أكثر تشدداً، يضم شخصيات مثل أنس خطاب وأبو أحمد حدود، ويُعرف بموقفه الرافض لأي تنسيق أو انفتاح على التحالف الدولي. هذا التيار ينظر إلى أي تقارب خارجي بوصفه تهديداً لمشروعه الأيديولوجي، ويسعى إلى فرض معادلة تقول إن القوة الفعلية على الأرض لا تزال بيد الجماعات الجهادية، وليس بيد القيادة السياسية التي تحاول تقديم خطاب أكثر براغماتية.
أما الجناح الثالث، فيدور في فلك أحمد الشرع نفسه، ويضم شخصيات مثل أبو قصرة، ويُنظر إليه على أنه أقرب إلى بعض دول الخليج، ويسعى إلى تقديم نموذج أقل تصادمية مع الإقليم والمجتمع الدولي، مع الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك البنية العسكرية.
بحسب المصادر ذاتها، فإن منفذي هجوم تدمر ينتمون إلى قوات أمنية محسوبة على جماعة أنس خطاب، مع اتهامات مباشرة لمسؤول أمن البادية المعروف بـ”أبو جابر معرّدبسة”، واسمه الحقيقي سفيان الشيخ صالح، وهو شخصية مقربة من أنس خطاب. وتفيد المعلومات بأن هؤلاء لعبوا دوراً في تسهيل تنفيذ التفجير، سواء عبر التغاضي الأمني أو توفير غطاء لوجستي.
الرسالة الأساسية من العملية، وفق هذا التحليل، تتمثل في القول إن الجماعات الجهادية المتشددة ما زالت تمتلك القدرة على التأثير والضرب في العمق، وإن أي محاولة لتهميشها أو تجاوزها ستقابل بإرباك أمني وسياسي. كما تحمل العملية دلالة واضحة على أن الشرع لا يستطيع الاستغناء عن هذه الجماعات أو تحجيمها من دون دفع ثمن داخلي باهظ.
الأخطر في هذا السياق هو ما يُتداول عن علم تركيا المسبق بالمخطط، وتقديمها دعماً استخباراتياً ولوجستياً غير مباشر، في إطار إدارة التوازنات بين الأجنحة المختلفة، ومنع أي طرف من حسم المشهد لمصلحته الكاملة. ورغم غياب تأكيدات رسمية، فإن هذا الاتهام يعكس مستوى التعقيد في العلاقة بين أنقرة والفصائل المسلحة، حيث تتقاطع المصالح مع الحسابات الأمنية.
يكشف هجوم تدمر عن مرحلة دقيقة من الصراع الداخلي، حيث لم يعد الخطر مقتصراً على الخصوم الخارجيين، بل بات نابعاً من داخل المنظومة نفسها. ومع استمرار هذا التنافس، تبدو الساحة مفتوحة على مزيد من الرسائل الدموية، في ظل غياب مشروع جامع قادر على ضبط السلاح وتوحيد القرار.
ROZ PRESS NEWS