في الآونة الأخيرة، برز تصعيد إسرائيلي لافت في التعاطي مع الأراضي السورية، خاصة في المناطق الجنوبية المحاذية للجولان المحتل، وسط مؤشرات سياسية وعسكرية تعكس توجهاً نحو تثبيت واقع جديد على الأرض. هذا التصعيد لم يعد يقتصر على التحركات العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل أبعاداً استيطانية وإدارية تثير قلقاً واسعاً على المستويين الإقليمي والدولي.
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن بوضوح أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من الأراضي السورية التي دخلتها مؤخراً، مؤكداً أن هذه القوات “لن تتحرك مليمتراً واحداً”. جاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر عُقد في مستوطنة “بيت إيل”، خُصص لبحث مستقبل قطاع غزة، إلى جانب المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية داخل سوريا. هذا الخطاب عكس توجهاً رسمياً نحو تثبيت الوجود العسكري، وربما تمهيد الأرضية لخطوات تتجاوز الطابع الأمني المؤقت.
بالتزامن مع ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي إعادة عدد من المستوطنين بعد دخولهم الأراضي السورية عبر الحدود في منطقة الجولان. وذكر في بيان نشره على منصة “إكس” أن عبور الحدود يُعد مخالفة جنائية خطيرة، موضحاً أن مجموعة من المستوطنين اخترقت السياج الحدودي قبل تدخل القوات العسكرية وإعادتهم إلى داخل إسرائيل دون تسجيل إصابات. غير أن هذه الحوادث المتكررة تعكس وجود بيئة سياسية وأمنية متساهلة نسبياً مع هذه الاختراقات.
وفي السياق ذاته، أفادت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بأن سبعة شبان يُعرفون باسم “فتية التلال” حاولوا عبور السياج الحدودي صباح أحد الأيام، حيث جرى اعتقالهم وتسليمهم إلى الشرطة. وأوضحت الصحيفة أن الشرطة أفرجت عنهم لاحقاً، إلا أنهم عادوا مجدداً إلى محيط الحدود وقاموا بقطع السياج والدخول إلى الأراضي السورية مرة أخرى، في مؤشر على إصرار هذه المجموعات على فرض أمر واقع ميداني.
صحيفة “إندبندنت” البريطانية تناولت هذا الملف في تقرير لها في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر الجاري، معتبرة أن الأراضي السورية باتت هدفاً مباشراً لتحركات استيطانية إسرائيلية متزايدة، في ظل تراجع فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين تل أبيب ودمشق. التقرير أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي عزز انتشاره على طول الحدود السورية وفي مواقع استراتيجية جنوب غربي البلاد، مع تأكيدات رسمية بعدم تقديم تنازلات في هذا الملف.
وبحسب الصحيفة، سمحت السلطات الإسرائيلية لمجموعات يمينية بإقامة مراسم لوضع حجر الأساس لمستوطنات داخل الأراضي السورية، قبل فتح البوابة الحدودية أمام هذه المجموعات للدخول والتجول في المنطقة. كما جرى السماح لصحافيين بالوصول إلى مواقع قريبة من محيط العاصمة دمشق، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لتكريس الرواية الإسرائيلية حول “حقائق جديدة” على الأرض.
التقرير ذاته أشار إلى تنامي نشاط مجموعات استيطانية، من بينها مجموعة تُعرف باسم “رواد هبشان”، التي تنشط في الجولان وتسعى إلى تثبيت وجود دائم في مستوطنة تحمل الاسم ذاته. ووفقاً للمعلومات، نفذت هذه المجموعة عدة عمليات عبور للحدود منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر، حيث دخل مئات من أعضائها إلى الأراضي السورية لمسافات متفاوتة، ونظموا مراسم رمزية لوضع حجر الأساس لمستوطنات جديدة.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات انتقال السياسة الإسرائيلية من مرحلة التحرك العسكري المحدود إلى مسار أكثر شمولاً، يجمع بين الوجود الأمني والطموحات الاستيطانية داخل الأراضي السورية. هذا الواقع يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعقيد في المشهد السوري، ويضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد إضافي، في ظل غياب ردع دولي فعّال، واستمرار فرض الوقائع بالقوة على الأرض.
ROZ PRESS NEWS