شكّلت اتفاقية العاشر من آذار/مارس، الموقّعة بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس سلطة دمشق أحمد الشرع، حدثاً سياسياً لافتاً أعاد فتح باب النقاش حول فرص التوصل إلى حلول واقعية تُنهي سنوات من الصراع وتؤسس لمرحلة من الاستقرار في البلاد. الاتفاقية، التي رُوّج لها آنذاك باعتبارها خطوة متقدمة نحو التهدئة الشاملة، حملت في بنودها وعوداً بوقف الأعمال القتالية، وتهيئة الظروف لعودة المهجّرين قسراً، إضافة إلى معالجة عدد من الملفات الخدمية والإنسانية العالقة.
إلا أنّ مرور أكثر من تسعة أشهر على توقيع الاتفاقية دون تسجيل أي اختراق حقيقي على أرض الواقع، أعاد طرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه التفاهمات، وقدرة الأطراف المعنية على تحويل الخطاب السياسي إلى خطوات عملية ملموسة. فحتى الآن، لم يلمس السكان في شمال وشرق سوريا أي تحسّن يُذكر في الأوضاع المعيشية أو الأمنية، فيما بقي ملف المهجّرين قسراً، وهو أحد أبرز بنود الاتفاق، معلّقاً دون تنفيذ.
في هذا السياق، تؤكد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية التزامهما الكامل ببنود الاتفاقية، وتشددان في لقاءاتهما وتصريحاتهما الرسمية على ضرورة المضي قدماً في تنفيذها دون انتقائية. غير أن مراقبين سياسيين يرون أن الطريق نحو التطبيق لا يزال مليئاً بالعقبات، في ظل ما يصفونه بتهرّب سلطة دمشق من تحمّل مسؤولياتها، إلى جانب الضغوط الإقليمية، ولا سيما التركية، التي تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السوري.
وتبرز تركيا كعامل مؤثر في تعطيل تنفيذ الاتفاق، إذ يشير متابعون إلى الزيارات المتكررة لمسؤولين أتراك إلى دمشق، سواء لتوقيع اتفاقيات ثنائية أو لبحث ملفات داخلية سورية، الأمر الذي يُنظر إليه باعتباره تدخلاً مباشراً في الشأن السوري، ويقوّض فرص الوصول إلى تفاهمات وطنية مستقلة بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
وعلى الرغم من أن الاتفاقية شددت على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، إلا أن الوقائع الميدانية تعكس صورة مغايرة. فقد شهدت جبهات دير حافر، إلى جانب حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، خروقات متكررة للتهدئة، كان آخرها تصعيد عسكري أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين، ما أعاد المخاوف من انزلاق الأوضاع مجدداً نحو دوامة العنف.
ويُعد ملف المهجّرين قسراً من أكثر القضايا إلحاحاً، إذ لا يزال عشرات الآلاف من السوريين محرومين من العودة إلى منازلهم، في ظل غياب أي خطة واضحة أو إجراءات عملية من قبل سلطة دمشق، رغم المطالبات المتكررة التي رفعتها وفود الإدارة الذاتية خلال الاجتماعات الرسمية. هذا الغياب يعمّق حالة فقدان الثقة، ويزيد من معاناة شريحة واسعة من السوريين الذين ينتظرون حلولاً حقيقية لا وعوداً مؤجلة.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة لتنفيذ اتفاقية العاشر من آذار، تتباين التصريحات الرسمية حول إحراز تقدم جزئي، بينما يشير الواقع الميداني إلى فجوات كبيرة بين ما يُعلن وما يُنفذ. ويزيد من تعقيد المشهد تصاعد خطاب التحريض الطائفي، الذي لم يعد مقتصراً على منصات غير رسمية، بل بدأ يظهر في بعض وسائل الإعلام الحكومية، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويقوّض فرص المصالحة الوطنية.
أمام هذه المعطيات، يرى كثير من السوريين في شمال وشرق البلاد أن تجاوز حالة الجمود يتطلب تحركات جدية من قبل دمشق، تقوم على تغليب المصلحة الوطنية على الأجندات الإقليمية والدولية، والانخراط في حوار وطني حقيقي وشامل. حوارٌ يُعيد الاعتبار لإرادة السوريين، ويضع أسساً متينة لسوريا مستقرة وآمنة، قادرة على طيّ صفحة الصراع والانطلاق نحو مستقبل أكثر أمناً وعدالة.
ROZ PRESS NEWS