حين تُمحى أرض من الخريطة، لا يكون ذلك فعلاً تقنياً عابراً، بل إشارة سياسية ثقيلة الدلالة. فالبدايات الكبرى لفقدان السيادة لا تأتي دائماً عبر الحروب أو الاتفاقيات العلنية، بل كثيراً ما تبدأ بخطوات صامتة: إهمال، تجاهل، أو إعادة تعريف “الأولويات” تحت ضغط الوقائع. ومع الزمن، يتحوّل هذا الصمت إلى موقف مكتمل الأركان، ويصبح الغياب اعتياداً، والخسارة أمراً قابلاً للتطبيع.
في هذا السياق، يثير حذف هضبة الجولان السورية المحتلة من بعض الخرائط الرسمية تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة الانتقالية القائمة في سوريا، وحدود صلاحياتها، والأثمان التي يمكن أن تُدفع باسم “المرحلة المؤقتة”. فالأخطر من الاحتلال العسكري ذاته، مهما طال أمده، هو تغييب الأرض عن الوعي الرسمي، لأن ذلك يمهّد لمحوها من الذاكرة الجمعية، ومن الخطاب السياسي، ومن سردية الحق.
تُعدّ هضبة الجولان جزءاً لا يتجزأ من الأراضي السورية، احتلتها إسرائيل عام 1967، وأكّدت قرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرارين 242 و338، عدم شرعية هذا الاحتلال ووجوب الانسحاب منه. تمتد الهضبة على مساحة تقارب 1800 كيلومتر مربع، احتلت إسرائيل منها نحو 1200 كيلومتر مربع، وكانت قبل الاحتلال تضم أكثر من 160 قرية وبلدة سورية، دُمّر معظمها قسراً، ولم يتبقَّ اليوم سوى خمس قرى مأهولة بأهلها الأصليين، في مقابل توسّع استيطاني منظم يهدف إلى فرض واقع دائم بالقوة والزمن.
تغييب الجولان عن الخرائط الرسمية لا يمكن فصله عن هذا السياق الاستيطاني، إذ يُقرأ كمكسب سياسي مجاني للاحتلال، يقدَّم له دون مقابل عسكري أو تفاوضي، ويُضعف الموقف القانوني والأخلاقي السوري في واحدة من أكثر قضايا السيادة حساسية.
لم تكتفِ إسرائيل باحتلال الجولان، بل أعلنت ضمّه عام 1981، في خطوة رفضها المجتمع الدولي بشكل قاطع عبر قرار مجلس الأمن رقم 497، الذي اعتبر الضم “باطلاً ولاغياً”. غير أن الاحتلال اليوم يستفيد من هشاشة الموقف السوري الرسمي، ومن صمت سلطة انتقالية تتعامل مع القضية وكأنها عبء مؤجّل لا أولوية وطنية.
فالخرائط الرسمية ليست مواد تعليمية محايدة، بل وثائق سيادية تعكس حدود الدولة التي تعلن التزامها بالدفاع عنها. وحين تُحذف أرض محتلة من الخريطة، يُبعث برسالة خطيرة إلى الداخل والخارج مفادها أن هذه الأرض لم تعد ضمن دائرة الاشتباك السياسي أو القانوني.
تكمن خطورة المشهد في هوية الجهة التي تمارس هذا التغييب. فالحكومة الانتقالية الحالية لم تنبثق عن انتخابات شعبية، بل تشكّلت كسلطة أمر واقع في 8 كانون الأول 2024، في إطار ترتيبات إقليمية ودولية، دون تفويض وطني عام. وبحسب الأعراف السياسية والقانون الدولي، تقتصر صلاحيات السلطات الانتقالية على إدارة المرحلة وتمهيد الطريق لانتقال سياسي شامل، لا اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالسيادة والحدود والأراضي المحتلة.
ترسيم الحدود، أو إعادة تعريفها، أو التعامل مع الاحتلال كملف قابل للتأجيل أو المساومة، قرارات لا يملك حق اتخاذها سوى شعب حر عبر ممثلين شرعيين منتخبين، لا سلطة مؤقتة وُلدت في ظروف استثنائية.
يبدو صمت الحكومة الانتقالية عن حذف الجولان من الخرائط خياراً محسوباً، مرتبطاً بتوازنات الدعم السياسي والمالي الخارجي. هنا، تتحول الجغرافيا إلى ثمن سياسي، وتُختزل القضية الوطنية في معادلة بقاء السلطة. تُقرأ هذه الإشارات في تل أبيب كضوء أخضر لتكريس الأمر الواقع، وفي العواصم الداعمة كتبرير لاستمرار الرعاية، بينما تُسوَّق للسوريين تحت مسمى “الواقعية السياسية”.
غير أن الخطر الأعمق يكمن في الرسالة التي يُعاد ترسيخها: أن الحدود يمكن محوها حين تتعارض مع مصلحة السلطة، وأن الاحتلال يُعاد تعريفه كملف مؤجَّل لا كجريمة مستمرة.
ولا يكتمل هذا النقاش دون الإشارة إلى مسؤولية النظام السوري السابق، الذي فشل لعقود في استعادة الجولان، وأدخل البلاد في صراعات داخلية أنهكتها وجعلتها أكثر عرضة للتفريط بالسيادة. فالقضية وطنية بامتياز، تتجاوز تبدّل السلطات، وتؤكد أن الدفاع عن الأرض التزام تاريخي لا يسقط بالتقادم.
الجولان ليس أرضاً متنازعاً عليها، بل أرض سورية محتلة بنص القانون الدولي. وأي محاولة لتغييبها عن الخريطة، أو التعامل معها كورقة تفاوض، تمثل اعتداءً على حق شعب لم يُستشر ولم يمنح شرعية التنازل. ستبقى هذه الأرض سورية، لأن الحقوق لا تُمحى بالصمت، ولأن الخرائط الحقيقية ترسمها إرادة الشعوب، لا حسابات السلطات المؤقتة.
ROZ PRESS NEWS