أخبار عاجلة

“الخـ.ـنق الـ.ـسيادي” في حلب..كيف تحـ.ـولت الشيخ مقصود والأشرفية إلى مـ.ـختبر لإعـ.ـادة هـ.ـندسة الـ.ـجغرافيا والإنـ.ـسان

في السنوات الأخيرة، لم يعد الصراع في سوريا محصوراً في حدود السيطرة العسكرية أو التنافس التقليدي على الجغرافيا، بل تطوّر ليأخذ طابعاً أكثر تعقيداً وخطورة، يتمثل في إعادة هندسة المكان والإنسان معاً. فالجغرافيا لم تعد مساحة محايدة للصراع، بل تحوّلت إلى أداة فاعلة لإعادة إنتاج السلطة، وإقصاء المكونات الاجتماعية والسياسية غير المرغوب بها، ضمن مقاربة يمكن توصيفها بـ«الخنق السيادي».
تقوم هذه المقاربة على تحويل مفهوم السيادة من إطار قانوني ـ سياسي مجرّد إلى ممارسة قهرية يومية، تُفرض على الأرض عبر أدوات متعددة، تبدأ من التشريع وتنتهي بالقوة العسكرية. وفي هذا السياق، لا يُترك أمام المجتمعات المحلية سوى خيارين قاسيين: إما الاستسلام البنيوي، أي القبول بإعادة تشكيل وجودها السياسي والاجتماعي بما يتوافق مع إرادة السلطة، أو الإبادة الوجودية، عبر التفريغ القسري أو التدمير الممنهج.
ويُعدّ ما جرى ويجري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب نموذجاً واضحاً لهذه الاستراتيجية، حيث تحوّلت المنطقة إلى ما يشبه «مختبراً حياً» لتطبيق سياسات تأميم الجغرافيا، أي إخضاع المكان وسكانه لإرادة مركزية واحدة، عبر منظومة سيطرة متعددة الطبقات. هذه المنظومة لا تعتمد فقط على الأدوات العسكرية، بل توظّف القانون، والإدارة، والاقتصاد، والإعلام، والحصار، في آنٍ معاً.
تبدأ هذه العملية بإعادة التشكيل القانوني للخصم، إذ يُجرّد من صفته كفاعل سياسي أو اجتماعي، ويُعاد تعريفه كـ«كيان خارج عن القانون» أو «تهديد أمني». هذا التحويل ليس تفصيلاً شكلياً، بل يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه كل المراحل اللاحقة، لأنه يوفّر الغطاء القانوني والأخلاقي لممارسات القمع والحصار والعنف، ويُخرجها من إطار المساءلة.
المرحلة الثانية تتمثل في الحصار البنيوي، الذي لا يقتصر على إغلاق الطرق أو منع الإمدادات، بل يستهدف مقومات الحياة اليومية بشكل مباشر. في الشيخ مقصود والأشرفية، تجلّى ذلك في التضييق على الخدمات الأساسية، وإضعاف البنية الاقتصادية، وخلق حالة إنهاك اجتماعي ونفسي مستمرة. الهدف هنا ليس فقط الضغط العسكري، بل تفكيك الحاضنة الاجتماعية، ودفع السكان إلى فقدان القدرة على الصمود أو التنظيم أو الفعل السياسي.
أما المرحلة الثالثة، فهي المقايضة الميدانية، حيث تُطرح على المجتمع خيارات تبدو ظاهرها «تسويات»، لكنها في جوهرها خيارات مستحيلة. يُطلب من السكان القبول بالتلاشي الطوعي، أي التخلي عن خصوصيتهم السياسية والاجتماعية مقابل البقاء، أو مواجهة التدمير العسكري وما يحمله من تهجير وخسائر بشرية ومادية. في هذه اللحظة، تتحوّل الجغرافيا إلى ساحة ابتزاز جماعي، تُستخدم فيها القوة لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية.
ولا يمكن فصل هذه الاستراتيجية عن السياق الأوسع للصراع السوري، حيث تلعب التحالفات الإقليمية والدولية دوراً محورياً في توفير الغطاء أو الصمت أو التواطؤ. فاستمرار هذا النموذج في الشيخ مقصود والأشرفية يعكس، إلى حد كبير، قبولاً ضمنياً بإدارة الصراع عبر أدوات الخنق بدل الحلول السياسية الشاملة.
إن خطورة نموذج «الخنق السيادي» لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة على السكان المحليين، بل في كونه يرسّخ سابقة خطيرة لإدارة النزاعات، تقوم على إعادة هندسة المجتمعات بالقوة، وتحويل الجغرافيا إلى أداة إقصاء. وفي ظل غياب مسار سياسي حقيقي يضمن الحقوق والتمثيل، يبقى هذا النموذج مرشحاً للتكرار في مناطق أخرى، ما يهدد بتفكيك ما تبقى من نسيج اجتماعي، ويدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.

شاهد أيضاً

حسان فرج لروز برس: ضعـ.ـف سلطـ.ـة الحكـ.ـومة المـ.ـؤقتة والانقسـ.ـامات العسـ.ـكرية يهـ.ـددان استقـ.ـرار مناطق شمال سوريا

تواجه مناطق شمال سوريا الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية المؤقتة تحديات متزايدة على المستويات الأمنية والإدارية …