تشهد مناطق واسعة من سوريا، خاصة الرقة ودير الزور، تحت سيطرة مرتزقة تنظيم الدولة السورية التابعة لما يُعرف بـ”هيئة تحرير الشام”، حالة من الانفلات الأمني والفوضى المستمرة، مما يؤثر بشكل مباشر على حياة المدنيين ويعمّق الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعانيها السكان منذ سنوات. وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه المناطق باتت مسرحاً لموجة من الانتهاكات التي تشمل القتل والتهديد والسلب والنهب، فضلاً عن تصاعد الخلافات بين العشائر والمرتزقة، وهو ما يزيد من معاناة السكان ويضع حياتهم اليومية على المحك.
وفقاً لمصادر محلية في الرقة، شهدت المدينة خلال الأشهر الأخيرة عدة حوادث قتل مستهدفة، غالباً ما تكون مرتبطة بالصراعات على النفوذ بين الفصائل المختلفة، أو نتيجة انتقام شخصي وعشائري. ويشير الأهالي إلى أن مرتزقة الجولاني تفرض سيطرتها على الطرق الرئيسة، وتقوم بمصادرة الممتلكات وفرض الإتاوات على التجار والسكان، في ظل غياب أي شكل من أشكال القانون أو العدالة. ووفقاً لشهادات السكان، أصبح المواطنون في الرقة يعيشون في حالة خوف دائم، إذ يمكن أن يتعرض أي شخص للملاحقة أو الاعتقال أو التهديد بسبب انتهاكات بسيطة، أو حتى على خلفية خلافات سابقة بين العشائر المحلية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتشهد الرقة ودير الزور تدهوراً متسارعاً في القدرة الشرائية للمواطنين، مع ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والمحروقات. ويعزو خبراء الاقتصاد المحليون هذا الانهيار إلى سيطرة مرتزقة الجولاني على شبكات التوزيع والتهريب، ما يتيح لها التحكم في الأسعار واستغلال حاجات المدنيين، بالإضافة إلى فرض أتاوات كبيرة على التجار المحليين. وفي دير الزور، أشار أحد أصحاب المحلات التجارية إلى أن الفوضى الأمنية والممارسات الابتزازية من قبل الفصائل المسلحة دفعت العديد من التجار إلى إغلاق محلاتهم خوفاً من السرقة والاعتداء.
وتُضاف إلى ذلك النزاعات العشائرية التي تصاعدت مؤخراً في المنطقة، إذ تحولت بعض القرى والمناطق الريفية إلى ساحات صراع مفتوح بين العشائر والفصائل المسيطرة، في محاولات لكل طرف لتوسيع نفوذه والحفاظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية. وأكد سكان محليون أن هذه الخلافات غالباً ما تنتهي بأعمال قتل وسلب، وهو ما يعمّق حالة الفوضى ويجعل المدنيين رهائن وسط نزاعات لا نهاية لها.
ويشير المراقبون إلى أن الفصائل المسلحة التابعة للجولاني لم تقدم أي حلول اقتصادية أو أمنية مستدامة لسكان المناطق التي يسيطرون عليها، بل على العكس، فإن سياساتهم القائمة على الترهيب والاستغلال أدت إلى نزوح مئات العائلات، لا سيما من دير الزور، إلى مناطق أكثر أمناً نسبياً، مع تفاقم معاناة المدنيين داخل تلك المناطق. وأصبح كثير من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية المحدودة، فيما تزداد حاجتهم إلى خدمات أساسية مثل الكهرباء والماء والتعليم، والتي يعجز الفصيل عن توفيرها أو تنظيمها بشكل مستقر.
ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن استمرار هذه الانتهاكات وانعدام الرقابة يفتح المجال أمام المزيد من الجرائم، بما في ذلك الاعتداءات على النساء والأطفال، والاحتجاز التعسفي، والتجنيد القسري للشباب، في ظل غياب أي آلية للرقابة أو المساءلة. وتعتبر هذه الممارسات مخالفة صريحة للقوانين الدولية وحقوق الإنسان، ما يزيد من المخاطر على المدنيين ويهدد استقرار المنطقة بشكل عام.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الرقة ودير الزور تعيشان تحت وطأة فوضى متكاملة، تجمع بين الانتهاكات الأمنية، والاستغلال الاقتصادي، والصراعات العشائرية، في وقت تحتاج فيه تلك المناطق إلى خطط تنموية شاملة وجهود دولية لتأمين حماية المدنيين وتوفير الخدمات الأساسية لهم. ومع استمرار سيطرة فصائل الجولاني على هذه المناطق، تظل المخاطر قائمة، ويصبح تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أمراً بعيد المنال ما لم يتم اتخاذ خطوات جدية للحد من الانتهاكات واستعادة الأمن والاستقرار للسكان.
ROZ PRESS NEWS