أخبار عاجلة

حين تتـ.ـبدل الخـ.ـرائط..الكرد ومـ.ـعركة المـ.ـوقع في الشرق الأوسط الجديد

في ظل التعقيدات المتشابكة التي تحكم المشهد السوري اليوم، تبدو التطورات الجارية وكأنها امتداد لمسار تاريخي طويل رسمته القوى العظمى، أكثر مما هي نتاج تحركات آنية أو أدوار إقليمية طارئة. فمهما تعددت الروايات حول تدخل هذا الطرف أو ذاك في إيقاف هجمات أو صياغة اتفاقات، تبقى الحقيقة الأعمق أن خيوط اللعبة ما زالت تُدار من قبل قوى تمتلك الإرث التاريخي والقدرة الجيوسياسية على إعادة تشكيل المنطقة، فيما يقف الشعب الكردي السوري في قلب هذه التحولات المصيرية.
خلال الأسابيع الماضية، تداولت الأوساط الإعلامية والسياسية أخباراً عن تدخلات إقليمية وشخصيات بعينها في وقف الهجوم العنيف الذي شنته مجموعات تابعة للحكومة المؤقتة، والذي استهدف بشكل مباشر المناطق الكردية في روج آفا. كما جرى الترويج لدور تركي “محوري” في التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات خففت من حدة التصعيد. غير أن هذه السرديات، عند تفكيكها، تبدو أقرب إلى محاولات لتضخيم الدور التركي ومنحه وزناً يفوق حجمه الحقيقي في معادلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
تركيا، رغم كونها لاعباً إقليمياً مهماً، لا يمكن اعتبارها المحرك الأساسي أو صانع القرار الأوحد في مستقبل سوريا والمنطقة. فهي، في نهاية المطاف، جزء من منظومة أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وليست القوة التي تمسك بمفاتيح إعادة رسم الخرائط. إن الإصرار على تقديمها بوصفها صاحبة الكلمة الفصل يتجاهل حقائق تاريخية راسخة، ويغفل الدور المستمر للقوى الكبرى التي أرست أسس النظام الإقليمي منذ أكثر من قرن.
منذ اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، التي قسمت المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا عقب انهيار الدولة العثمانية، لعبت هاتان الدولتان دوراً محورياً في رسم حدود المنطقة وتحديد مساراتها السياسية. ورغم تغير الأشكال والأدوات، فإن النفوذ البريطاني والفرنسي لم يتلاشَ، بل أعيد إنتاجه بوسائل جديدة تتناسب مع متطلبات المرحلة. وما تشهده الساحة السورية اليوم يقدم شواهد واضحة على ذلك.
فالضربات الجوية البريطانية – الفرنسية المشتركة ضد تنظيم داعش في البادية السورية، إلى جانب الحراك الدبلوماسي الفرنسي الذي أكد على دوره في دفع التفاهمات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تعكس استمرار الحضور الفاعل لهاتين القوتين. كما أن خطوات بريطانية، مثل رفع بعض العقوبات عن كيانات سورية بذريعة دعم “الانتقال السياسي”، تشير إلى رغبة واضحة في توجيه مسار الأحداث بما يخدم مصالح استراتيجية بعيدة المدى.
في هذا السياق، يبرز الاتفاق الأخير الذي تضمن الحديث عن “لامركزية موسعة” تضمن للكرد خصوصية مناطقهم في شمال سوريا. هذا الاتفاق لا يمكن النظر إليه كحل محلي أو تسوية ظرفية، بل كمؤشر على تحول أعمق في شكل الشرق الأوسط القادم. فبينما كانت سايكس – بيكو نموذجاً لتقسيم المنطقة بعيداً عن إرادة شعوبها، فإن المرحلة الجديدة، رغم استمرار منطق المصالح الكبرى، تشهد إدخال الكرد كشريك واضح ومعلن في المعادلة.
هذا التحول يثير قلق تركيا، التي تبدو وكأنها تخشى أن تبدأ عملية إعادة التقسيم من داخلها، بعد سنوات من التمدد والتدخل في شؤون الجوار. فالدور الذي سعت أنقرة لفرضه جعلها عرضة لارتدادات إقليمية قد تطال استقرارها الداخلي، لتتحول من لاعب طامح إلى طرف قلق من مآلات المشهد.
إن بروز الكرد كشريك استراتيجي يعكس فهماً جديداً لديناميكيات المنطقة، حيث لم يعد من الممكن تجاهل الشعوب الفاعلة على الأرض. ومع اقتراب اكتمال ملامح الخريطة الجديدة، ستدخل المنطقة مرحلة الاستثمار وإعادة الإعمار، وهي مرحلة تحمل في جوهرها صراعاً جديداً على الموارد والنفوذ. دورة تاريخية تتكرر، لكن بفارق أساسي هذه المرة: حضور الكرد كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

شاهد أيضاً

فيـ.ـضانات الفرات تفـ.ـضح هشـ.ـاشة الـ.ـخدمات وتـ.ـفاقم غـ.ـضب الأهالي في دير الزور والرقة

مع ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات خلال الأيام الأخيرة، دخلت مدينتا دير الزور والرقة مرحلة …