كشفت روج نيوز عن تفاصيل رسائل وصفت بـ”الحازمة” نقلها المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، توم باراك، خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد وهولير، في توقيت إقليمي شديد الحساسية يتزامن مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وتعقيدات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.
زيارة باراك جاءت وسط مؤشرات على مرحلة جديدة من الضغط الأميركي لإعادة ترتيب البيت السياسي العراقي. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك علاقاته مع إيران والولايات المتحدة، بات ساحة أساسية في معادلة الصراع الإقليمي. ومع تصاعد احتمالات المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران، تسعى الإدارة الأميركية إلى ضمان وجود حكومة عراقية “منضبطة” وقادرة على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي داخلياً.
في بغداد، التقى باراك برئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ووزير الخارجية فؤاد حسين. وأعلن لاحقاً أن هدف الزيارة يتمثل في دعم بناء مستقبل سياسي وأمني “متوافق مع رؤية واشنطن للمنطقة”، مؤكداً أن وجود قيادة فعّالة في بغداد شرط أساسي لحماية المصالح المشتركة ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من الاضطرابات.
وبحسب المصادر، شدد باراك في لقاءاته على أن الولايات المتحدة لم تعد تقبل باستمرار نمط الحكم الحالي، وأن تشكيل الحكومة المقبلة يجب أن ينسجم مع التوجهات الأميركية العامة في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وضبط عمل الفصائل المسلحة، وتعزيز مركزية القرار الأمني.
كما حملت الرسائل تحذيراً واضحاً من مغبة تجاوز “الخطوط الحمراء” الأميركية، مع تلويح بإمكانية فرض عقوبات في حال الإخلال بالتفاهمات. وتركزت الضغوط بشكل خاص على القوى الشيعية، إذ أُبلغت بأن هوية رئيس الوزراء من الناحية الطائفية أو القومية لم تعد أولوية، بقدر ما يهم أن يكون شخصية تكنوقراطية قادرة على إدارة الدولة بكفاءة وإنهاء حالة الإخفاق السياسي.
وفي هذا السياق، برز اسم نوري المالكي بوصفه نقطة خلاف. إذ تشير المعلومات إلى أن واشنطن لا تدعم عودته إلى رئاسة الحكومة، مفضلة إما الإبقاء على السوداني مؤقتاً أو اختيار شخصية أخرى “قوية” تحظى بقبول داخلي وخارجي. وأفادت المصادر بأن مهلة زمنية قصيرة مُنحت لحسم هذا الملف، ما دفع قوى “الإطار التنسيقي” إلى عقد اجتماع طارئ لبحث الخيارات المتاحة.
لم تقتصر رسائل باراك على بغداد، بل امتدت إلى هولير، حيث التقى كلاً من مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني، قبل أن يتوجه إلى السليمانية للقاء بافل طالباني.
وبحسب ما رشح من معلومات، شددت واشنطن على ضرورة “إعادة ضبط” العلاقة بين المركز والإقليم، ضمن إطار الدولة الاتحادية، مع طرح مسألة تقليص بعض الصلاحيات الحالية للإقليم بما ينسجم مع رؤية حكومة مركزية أكثر تماسكاً. ويعكس ذلك توجهاً أميركياً نحو تعزيز المركزية في إدارة الدولة العراقية، بعد سنوات من التجاذب بين بغداد وهولير حول الملفات المالية والنفطية والأمنية.
ويرى مراقبون أن أي انقسام داخلي كردي قد يضعف موقع الإقليم في هذه المرحلة الحساسة، ويجعله أكثر عرضة للضغوط، خصوصاً إذا ما مضت واشنطن في سياسة دعم سلطة مركزية قوية قادرة على فرض قراراتها في عموم البلاد.
تصريحات باراك الأخيرة حول تردد العراق بين نموذجي الفيدرالية والمركزية تعكس قناعة أميركية بأن النظام الحالي لم يحقق الاستقرار المنشود. ومن هنا، تبدو واشنطن معنية بإعادة صياغة التوازنات الداخلية، بما يضمن شريكاً عراقياً قادراً على تنفيذ التزامات أمنية وسياسية واضحة، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة ومنع انزلاق البلاد إلى محاور إقليمية متصارعة.
في المحصلة، تكشف زيارة باراك أن العراق يقف أمام مفترق طرق جديد، حيث تتقاطع حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، ويُعاد رسم ملامح السلطة بين بغداد وإقليم كردستان. وبين الفيدرالية والمركزية، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد شكل الحكومة القادمة، وطبيعة العلاقة بين مكونات الدولة العراقية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 85?
ROZ PRESS NEWS