يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يشكّل نقطة عبور رئيسية تربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. ومع تصاعد التوترات في المنطقة، عاد المضيق إلى واجهة الأحداث، بوصفه ورقة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وقانونية معقدة.
تشير التقديرات إلى أن نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية يمر عبر هذا الممر الضيق، ما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي. ويقع المضيق بين المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان، الأمر الذي يمنحه أهمية جيوسياسية مضاعفة، نظراً لتداخل السيادة البحرية مع المصالح الدولية.
تعتمد حركة السفن في المضيق على نظام يُعرف بـ”فصل حركة الملاحة”، وهو نظام يشبه إلى حد كبير الطرق السريعة، حيث تُخصص مسارات محددة للسفن بحسب اتجاهها لتقليل احتمالات التصادم. وتكمن خصوصية هذا النظام في أن الممرات الملاحية، خاصة في أضيق نقاط المضيق، تقع بمعظمها داخل المياه الإقليمية العُمانية، قبل أن تعبر السفن لاحقاً إلى المياه الإيرانية عند دخولها الخليج.
هذا التداخل الجغرافي يجعل السفن عملياً تمر ضمن نطاق سيادة أكثر من دولة خلال رحلتها، ما يضيف بعداً قانونياً معقداً لحركة الملاحة، خاصة في ظل التوترات السياسية.
يخضع مضيق هرمز لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تصنّفه كمضيق دولي يضمن حق “المرور العابر” لجميع السفن والطائرات، سواء كانت مدنية أو عسكرية، بشرط أن يكون المرور مستمراً وسريعاً. كما لا يجوز قانوناً إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه.
لكن هذا الإطار القانوني يواجه تحديات في التطبيق، خصوصاً مع مواقف بعض الدول. فإيران، على سبيل المثال، تُبدي تحفظات على بعض قواعد الملاحة الدولية، مستندة إلى مفهوم “المعترض الدائم”، الذي يتيح للدول الاعتراض المستمر على قواعد معينة، ما قد يمنحها مبرراً لعدم الالتزام بها بالكامل.
ورغم ذلك، يؤكد خبراء القانون الدولي أن هذه التفسيرات لا تعفي أي دولة من مسؤولية ضمان حرية الملاحة، خاصة في ممر بحري بهذه الأهمية العالمية.
في ظل التصعيد الإقليمي، بدأت إيران بفرض إجراءات إضافية على السفن العابرة، تشمل تقديم معلومات تفصيلية عن الطاقم والحمولة ومسار الرحلة، إضافة إلى التنسيق المسبق مع سلطاتها للحصول على إذن العبور.
كما وضعت طهران شروطاً تتعلق بعدم مشاركة السفن في أي أنشطة تعتبرها “عدائية”، إلى جانب الامتثال الكامل للوائحها الأمنية. ووفق تصريحات عباس عراقجي، فإن بعض الدول مثل الصين وروسيا والهند والعراق وباكستان تُعتبر مؤهلة لعبور سفنها ضمن هذا الإطار.
وتشير تقارير إلى أن هذه الإجراءات لا تُطبق بشكل موحد، حيث تختلف من سفينة لأخرى، ما يعكس نمطاً من “التحكم الانتقائي” في حركة الملاحة، بدلاً من الإغلاق الشامل.
يرى مراقبون أن ما يجري في مضيق هرمز لا يصل إلى مستوى تعطيل كامل للملاحة، بل هو شكل من أشكال الضغط غير المباشر، حيث تستمر بعض السفن في العبور بسلاسة، بينما تواجه أخرى قيوداً أو مخاطر إضافية.
هذا النمط يعكس محاولة موازنة بين الحفاظ على تدفق التجارة العالمية، وتوظيف المضيق كورقة ضغط سياسية في ظل الصراعات الإقليمية. كما أن استهداف سفن معينة أو فرض رسوم غير معلنة عبر وسطاء يضيف بعداً اقتصادياً خفياً لهذه السياسات.
في المحصلة، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر النقاط حساسية في العالم، حيث تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع التوازنات السياسية والعسكرية. وبين القوانين الدولية والواقع الميداني، يظل مستقبل الملاحة في هذا الممر مرهوناً بمسار التوترات الإقليمية وقدرة الأطراف على تجنب التصعيد.
وفي ظل استمرار الأزمات، سيبقى المضيق تحت المجهر الدولي، ليس فقط كممر للطاقة، بل كأحد مفاتيح الاستقرار في المنطقة والعالم.
ROZ PRESS NEWS