دمشق، 16 نيسان 2026
تشهد العاصمة السورية دمشق مؤخراً تصاعداً مقلقاً في معدلات الإصابة بمرض “الجرب”، وهو ما تجاوز كونه أزمة صحية عامة ليتحول إلى فتيل يشعل توترات اجتماعية ومناطقية حادة.
ففي الوقت الذي تشهد فيه غرف الانتظار في المشافي العامة والعيادات ازدحاماً بعدد المرضى المصابين بالعدوى، يمتلئ الفضاء العام الافتراضي والواقعي بخطاب “اللوم” الذي يوجه أصابع الاتهام نحو الوافدين الجدد من مناطق البادية ودير الزور، محملين إياهم مسؤولية تراجع الحالة الصحية في المدينة.
وفي جولة استقصائية في شوارع العاصمة، رصدت مراسلة “روز بريس” حالة من الاحتقان الشعبي تجاه ما يصفه البعض بـ “تغير الهوية البصرية والسلوكية للمدينة”.
ويعبّر العديد من سكان دمشق الأصليين عن استيائهم من مظاهر يرونها غريبة عن “النمط الدمشقي” المعتاد. ويتركز النقد حول هيئة الوافدين، حيث يربط البعض بين إطالة الشعر واللحى، واتساخ الملابس، وبين تدني مستوى النظافة الشخصية الذي يؤدي لانتشار الطفيليات.
يصف بعض السكان هؤلاء الوافدين بأنهم “غرباء عن عادات دمشق وطقوسها”، في إشارة واضحة إلى فجوة اجتماعية بدأت تترجم إلى تنمر أو إقصاء تحت غطاء المخاوف الصحية.
في لقاء خاص من مشفى المواساة الجامعي، أكد أحد الأطباء (فضل عدم ذكر اسمه) أن الضغط على القطاع الصحي تجاوز الحدود المسموحة.
وأشار الطبيب إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في “سوء الخدمات” أو “نقص المياه”، بل في العوامل البيئية المرتبطة بالحركة السكانية غير المنضبطة.
وبحسب من تم استطلاع آرائهم فإن سوء الخدمات وقلة النظافة ليست السبب الوحيد لانتشار العدوى.
يقول نزار دقاق وهو مواطن دمشقي، “الحقيقة أننا أمام تحدٍّ كبير ما لم يتم ضبط حركة الغرباء الوافدين وتدقيق أوضاعهم الصحية، خاصة أولئك الذين يعيشون في تجمعات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي.”
الأكثر إثارة للجدل خلال جولتنا كان مطالبة شريحة من المواطنين بإجراءات “قسرية” لاستعادة الانضباط الصحي. حيث لم يكتفِ البعض بالمطالبة بالرقابة، بل اقترحوا إعادة العمل بـ “حمامات صابون الزرنيخ” (وهو إجراء تاريخي كان متبعاً قديماً للتعقيم الشامل) وفرضها على كل غريب يدخل العاصمة ولا يلتزم بآداب السلوك والنظافة العامة.
هذه المطالب، رغم قسوتها، تعكس عمق الفجوة بين طبقات المجتمع، حيث يتم التعامل مع “النظافة” كمعيار للمواطنة، ومع “المرض” كوصمة تلتصق بالآخر القادم من خلف الحدود الجغرافية للمدينة.
وتشير المعطيات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن “الجرب” تحول من مرض جلدي إلى “مرض اجتماعي” يغذي خطاب الكراهية. فالمسألة لم تعد تتعلق بمكافحة “طفيلي القارمة الجربية”، بل بمكافحة “الوجود المختلف” في المدينة.
وبينما تحاول السلطات الصحية احتواء الوباء عبر توزيع العلاجات، يبقى الوباء الاجتماعي المتمثل في “الاستعلاء المناطقي” وتوجيه الاتهامات للنازحين هو التحدي الأكبر.
تقول الباحثة سهام سواس المتخصصة في علم الاجتماع الحضري، إن حصر مشكلة “الجرب” في فئة جغرافية معينة يتجاهل الأسباب الهيكلية من فقر، ونقص مياه، وتدهور الخدمات التي تمس الجميع، مما يهدد بتمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي تحت وطأة العدوى والخوف.
ROZ PRESS NEWS