تتداخل الحسابات الإقليمية في المشهد السوري بشكل معقد، حيث تتقاطع مصالح قوى عدة تسعى كل منها إلى إعادة رسم موازين النفوذ بما يخدم أولوياتها الأمنية والسياسية. في هذا السياق، تبرز تركيا كطرف فاعل يراقب مسار الحرب بدقة، مع سعي واضح إلى تجنب انتقال تداعياتها إلى الداخل التركي، وهو ما يفسّر حرصها على إدارة الصراع بطريقة لا تؤدي إلى حسم سريع قد يفضي إلى تحولات غير محسوبة.
ترى أنقرة أن أي نهاية مفاجئة للصراع قد تعيد ترتيب مراكز القوى في المنطقة بشكل ينعكس عليها سلباً، خصوصاً في ظل حساسياتها تجاه المسألة الكردية وأمن حدودها الجنوبية. لذلك، تعمل على إبقاء توازن هش يمنع خصومها من تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة، وفي الوقت نفسه يحد من توسع التهديدات التي قد تطالها مستقبلاً.
في المقابل، تتحرك إسرائيل وفق رؤية مختلفة، إذ تركز على تقليص نفوذ الأطراف التي تعتبرها تهديداً مباشراً، وتسعى إلى منع دخول لاعبين جدد أو تعزيز حضورهم في الساحة السورية، ومن بينهم تركيا. هذا التباين في الأهداف يخلق نوعاً من التنافس غير المباشر بين الجانبين، رغم عدم وجود مواجهة معلنة، حيث يحاول كل طرف رسم حدود نفوذه دون الانزلاق إلى صدام مفتوح.
أما على مستوى الداخل السوري، فإن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري تجعل من الصعب على دمشق الانخراط في صراعات إقليمية أوسع، مثل المواجهة مع حزب الله في لبنان. وتبرز هنا عوامل عدة تحد من هذا الانخراط، من بينها الضغوط الإقليمية والتوازنات الدولية، إضافة إلى الدور التركي الذي يسهم في ضبط إيقاع التحركات ضمن حدود معينة.
هذا التداخل بين الحسابات التركية والإسرائيلية، إلى جانب القيود المفروضة على الأطراف المحلية، يعكس طبيعة الصراع السوري كجزء من لوحة إقليمية أوسع، حيث لا تُحسم المعارك فقط على الأرض، بل أيضاً في مراكز القرار السياسي. ومع استمرار هذه المعادلات، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب توافق دولي واضح على شكل الحل النهائي، ما يعزز حالة الاستنزاف ويطيل أمد الأزمة.
ROZ PRESS NEWS