بينما كانت آليات بلدية حلب تُسابق الزمن لتنظيف بضعة شوارع محددة، ورشّها بمعطرات الجو لإخفاء رائحة النفايات المتكدسة، مرّ موكب “بلال أردوغان”، نجل الرئيس التركي، ومعه السفير التركي في سوريا “نوح يلماز”.
لم تكن المفارقة الصادمة التي رصدتها عدسات الناشطين في الزيارة بحد ذاتها، بل في واقع يقبع خلف تلك الشوارع “المُلمّعة” مؤقتاً؛ حيث ترزح مدينة حلب العريقة تحت وطأة كارثة بيئية واقتصادية غير مسبوقة، وتحت رحمة تقاسم نفوذ فصائلي حوّلها –بحسب سكانها– من عاصمة اقتصادية لسوريا إلى مجرد “ولاية تابعة لغازي عنتاب” التركية.
أكوام القمامة تغزو الأحياء.. وشبح “الليشمانيا” يعود بقوة
لم يعد المشهد في حلب يحتاج إلى تدقيق، فالأكوام الكبيرة من النفايات باتت معلماً ثابتاً في كل زاوية وشارع، مما فجّر تحذيرات طبية وبيئية واسعة من انفجار وشيك للأمراض والأوبئة، وعلى رأسها “الليشمانيا” أو ما يُعرف بـ “حبة حلب”، التي تجد في تكدس القمامة وغياب الصرف الصحي بيئة خصبة للتكاثر والانتشار.
وفي ظل هذا العجز الواضح عن أداء أبسط المهام، تتبادل الجهات المسؤولة الاتهامات؛ حيث تحمّل المحافظة المسؤولية للمجلس البلدي والعكس صحيح. وتكشف مصادر مطلعة داخل المدينة أن هذا الشلل ليس مجرد تقاعس إداري، بل هو انعكاس لخلافات سياسية عميقة، كون كل طرف من هذه الأطراف محسوباً على تيار سياسي معين يُنازع الآخر النفوذ والمكاسب ضمن عباءة تنظيمي “الإخوان المسلمين” و”هيئة تحرير الشام”.
محاصصة الميليشيات: تعيينات الولاء واقتصاد الجباية
بعد مرور عام ونصف على سقوط نظام الأسد، لا يزال مشهد التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار مجرد حبر على ورق وشعارات ترويجية لا رصيد لها على أرض الواقع؛ فلا الأنقاض رُحّلت، ولا عجلة الإعمار انطلقت. ويُرجع الأهالي هذا الشلل إلى آلية تعيين المسؤولين التي جرت وفق مبدأ تقاسم الكعكة بين الفصائل المسلحة التابعة لتركيا، التي باتت تتعامل مع حلب كولاية تابعة لها.
وينحدر المحافظ الحالي، عزام غريب، من محافظة إدلب، وكان يتزعم سابقاً ميليشيا “الجبهة الشامية” التي كانت تسيطر على مدينة إعزاز، ويواجه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في مناطق ريف حلب الشمالي. وتثير شخصيته وجذوره خلافات حادة مع أبناء حلب الذين يتهمونه بالتبعية الكاملة لأنقرة وتغليب المصالح الفصائلية والمناطقية على مصالح المدينة وسكانها.
وتتلاقى هذه الاتهامات مع سوء أداء رئيس مجلس المدينة، طلال الجابري؛ وضعف شخصيته، حيث يرى الشارع الحلبي أن إدارة المدينة تحولت إلى نموذج قائم على اقتصاد الجباية وخصخصة الخدمات العامة لتحقيق مكاسب فئوية بدلاً من خدمة الصالح العام، مما فتح الباب لاتهامات فساد مالي وإداري تطال المسؤولين الذين لا ينتمون إلى حلب، والذين دخلوا في صدامات ومصالح اقتصادية متضاربة مع السكان المحليين والتجار الأصليين.
المطالبة باللامركزية: “نريد من يمثلنا، لا من يُفرَض علينا”
أمام هذا الواقع المرير، تعالت الأصوات داخل مدينة حلب للمطالبة باللامركزية الإدارية؛ إذ لم تعد النخب الحلبية ولا الشارع يتقبلون فكرة فرض المسؤولين والمحافظين من الخارج، وباتوا يطالبون بقيام أبناء المحافظة بانتخاب ممثليهم في المجالس المحلية بحرية واختيار المحافظ من بين كفاءات المدينة، بدلاً من تعيينه بقرارات تُسقط عليهم إسقاطاً كما كان يجري سابقاً من السلطة في دمشق.
ويرى الحلبيون بكثير من الغصة أن هذه التبعية السياسية والإدارية جعلت مدينتهم التاريخية، التي قادت الاقتصاد السوري لعقود، مجرد ملحق اقتصادي وخدمي لمدينة غازي عنتاب التركية.
نزيف اقتصادي: إغلاق المصانع وغزو البضائع التركية
لم يتوقف الشرخ عند تكدس القمامة والفساد الإداري، بل ضرب عصب المدينة الاقتصادي بشكل مباشر؛ فحلب التي كانت تُعرف بالعاصمة الاقتصادية لسوريا تشهد اليوم انتكاسة كبرى تمثلت في الإغلاق المستمر للمصانع والورش نتيجة غياب الدعم، وارتفاع التكاليف، ومضايقات المسلحين الغرباء وفرضهم للإتاوات، الأمر الذي أدى بدوره إلى تسريح جماعي لآلاف العمال وانتشار قياسي لمعدلات البطالة بين الشباب.
ويتزامن هذا الشلل الصناعي مع إغراق كامل وغير مسبوق للأسواق المحلية بالبضائع والمنتجات التركية، مما ساهم في خنق ما تبقى من قدرة على الإنتاج المحلي، وتدمير الهوية التجارية العريقة للمدينة.
غليان شعبي ودعوات للعصيان.. “ارحلوا يا فشلة”
أمام هذا الواقع الخدمي المتردي، أطلق ناشطون في حلب حملة إلكترونية وميدانية تحت وسمَي #حلب_تختنق و #طلعت_ريحتكم احتجاجاً على سوء الأوضاع، مطالبين بتغييرات إدارية جذرية وحلول سريعة لمعالجة مشكلات المدينة وتحسين الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية.
ومع تفاقم الكارثة وتجاهل المعاناة اليومية، لم يعد الصبر خياراً لسكان المدينة؛ إذ تضج الأوساط المحلية اليوم بحالة غليان غير مسبوقة تجاوزت مجرد الشكوى إلى إطلاق دعوات صريحة للنزول إلى الشوارع والتظاهر، وإعلان الإضراب العام، والتوقف الكامل عن دفع الرسوم والضرائب كافة للبلدية والمحافظة، كسلاح سلمي في وجه ما وصفوه بـ “اقتصاد الجباية الفاشل”.
ورغم النداءات والاستغاثات المتكررة التي يطلقها أهالي حلب، والتجار، والشرائح المثقفة لإنقاذ المدينة من الغرق في النفايات والتبعية، إلا أنه لا حياة لمن تنادي؛ حيث تظل الآذان الرسمية لـ “ولاة الأمر” المفروضين عليهم صماء لا يكترثون لحجم المأساة، بينما تُسخّر الإمكانيات الشحيحة للمدينة فقط لتنظيف مسار موكب نجل الرئيس التركي.
ليظل السؤال معلقاً في أزقة حلب: متى تنفض حلب عن كاهلها غبار الركام والتبعية لتستعيد هويتها وعافيتها؟ وذلك تحت شعارات غاضبة تلخص الموقف الشعبي: “ارحلوا يا فشلة، حلب أكبر منكم ومن معلمكم، ومكانكم مع الزبالة التي خلفها فشلكم”. لتتحول أسئلة حلب من “متى تتعافى المدينة؟” إلى “متى ستنفجر أزقتها في وجه مستبديها الجدد لتستعيد هويتها وكرامتها؟”.
ROZ PRESS NEWS