في ظل مشهد إقليمي وداخلي مضطرب، تواصل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ترسيخ وجودها كقوة وطنية يصعب تجاهلها في معادلة الحاضر والمستقبل السوري. لم يُبنَ هذا الدور بين ليلةٍ وضحاها، بل جاء نتيجة مسار طويل من التضحيات والجهود، جعل من قسد قوةً مدنية وعسكرية تحظى بقبول محلي متزايد واعتراف دولي لا يمكن إنكاره.
في الآونة الأخيرة، صدرت إشارات صريحة من مسؤولين أمميين وأمريكيين تؤكد هذا الحضور. فقد وصف المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، الاتفاق المحتمل بين الحكومة السورية وقسد بأنه “فرصة حقيقية لحل قضية شمال شرق سوريا”. أما وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، فقد شدد أمام الكونغرس على ضعف قدرات الحكومة السورية في التصدي لتنظيم داعش، مؤكداً أن الشراكة مع قسد أساسية لمنع عودة هذا الخطر.
تحرير الرقة عام 2017، وقبلها كوباني في 2015، لم يكونا مجرد انتصارين عسكريين، بل لحظتين مفصليتين في بلورة مشروع سياسي واجتماعي يُعرف اليوم بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. هذا المشروع قدّم نموذجاً عملياً لحكم محلي تعددي، قائم على التعايش بين مكونات المنطقة من عرب وكرد وسريان وغيرهم.
ما يميز تجربة قسد ليس فقط الأداء العسكري، بل قدرتها على الدمج بين الأمن والخدمة العامة، بين حماية السكان وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية في بيئة تعاني من تحديات سياسية واقتصادية حادة. في هذا السياق، نجحت الإدارة الذاتية في كسب تأييد شعبي لا يُستهان به، وشكّلت ما يشبه البيئة الآمنة وسط الفوضى السورية المعقدة.
إن التحذيرات من عودة داعش ليست مجرد سيناريوهات نظرية، بل تستند إلى تقارير وتحركات حقيقية، تظهر فيها قسد كخط الدفاع الأول. من هنا، فإن أي تراجع في دعم هذه القوة، أو انسحاب دولي مفاجئ، قد يترك فراغاً خطيراً من الصعب ملؤه.
اليوم، أصبحت قسد مشروعاً وطنياً بملامح واضحة، يحظى بثقة عدد من القوى الدولية والإقليمية. ودورها في أي حل سياسي بات أمراً واقعاً، وقدرتها على المحافظة على توازن دقيق بين القوى المختلفة تمنحها وزناً يصعب تجاوزه.
وإذا كانت هناك اليوم فرصة حقيقية لبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، فإن قسد تقف كأحد أعمدتها الأساسية، بل وأكثرها وضوحاً في الرؤية. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، فعليه أن يعيد قراءة تاريخ الحروب المركّبة، كالحالة السورية مثلاً، ليرى كيف تنتهي دوماً بتغييرات عميقة في العلاقة بين الشعوب وأنظمتها، لا سيما في بنية العلاقة بين المركز والأطراف.
ROZ PRESS NEWS