في لحظة أمنية حساسة وغير معتادة، نفذت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالتعاون مع التحالف الدولي عملية نوعية في عمق البادية السورية، وتحديدًا في منطقة وادي الربايح قرب بلدة الكوم بريف حمص الشرقي. هذه المنطقة لطالما عُرفت بأنها مساحة مفتوحة أمام تحركات خلايا “داعش”، بعيدًا عن رقابة صارمة أو انتشار فعّال للقوات المحلية.
لكن ما جرى فجر يوم العملية يشير إلى تحول نوعي في قواعد الاشتباك، ليس فقط في ميدان الحرب ضد الإرهاب، بل أيضًا في مكانة “قسد” نفسها على الخريطة العسكرية والأمنية لسوريا.
العملية، بحسب مصادر محلية، نُفذت بدقة عالية وبناءً على معلومات استخباراتية مسبقة، واستهدفت أحد أبرز أوكار التنظيم في المنطقة. هذا النوع من التدخل خارج جغرافيا شمال وشرق سوريا يرسل أكثر من رسالة: أولها أن قسد لم تعد قوة محلية محصورة في الدفاع عن مناطقها، بل أصبحت قادرة على الانتقال والمبادرة متى استدعت الضرورة.
منذ معارك كوباني والرقة وحتى ملاحقة الخلايا في البادية ومخيم الهول، خاضت قسد واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في التعامل مع تنظيم “داعش”. ما ميّز أداءها لم يكن فقط الصلابة العسكرية، بل تراكم الخبرة في تتبع التحولات الداخلية للتنظيم، من نمط المواجهة المباشرة إلى العمل السري والخلايا المتخفية.
وما يزيد أهمية هذه التجربة أن قسد لم تتوقف عند ردّ الفعل، بل طوّرت أدواتها الأمنية والاستخباراتية بما يتناسب مع طبيعة كل مرحلة، وهو ما انعكس في نجاحات متكررة يصعب إنكارها، حتى من خصومها.
أحد القادة العسكريين في المنطقة قال في تعليق مقتضب إن “العملية الأخيرة كانت دقيقة، ولم تكن لتنجح لولا المعرفة العميقة التي باتت تمتلكها قسد ببنية داعش وأساليبه”. هذه المعرفة، كما أشار، لا تأتي فقط من سنوات الحرب، بل من العمل وسط مجتمعات شهدت في بعض مراحلها تمدد فكر داعش وتغلغله.
في الواقع، ما جرى في ريف حمص يجب النظر إليه كجزء من مشهد أوسع، تظهر فيه قسد كقوة سورية ناضجة، قادرة على التعاون مع شركاء دوليين، والتحرك ضمن كامل الجغرافية السورية عندما تتقاطع الحاجة الأمنية مع المصلحة الوطنية العليا.
التحالف الدولي، الذي استمر بدعمه لقسد رغم التحولات السياسية الكبرى في المنطقة، يرى فيها شريكًا موثوقًا لا يمكن استبداله بسهولة. وهذه العملية تؤكد تلك الثقة المتبادلة، وتفتح المجال أمام مزيد من التنسيق في ملفات أوسع تمتد من سوريا إلى خارجها.
مع تصاعد التحذيرات من عودة “داعش” عبر خلايا متنقلة أو عبر تمدد أفكاره في بيئات هشة بأفريقيا وآسيا، فإن تجارب مثل تجربة قسد تُصبح أكثر من ضرورة. هي نموذج يجب قراءته، دعمه، والبناء عليه.
ما حدث في وادي الربايح ليس فقط ضربة أمنية ناجحة، بل تطور نوعي في الدور الذي تلعبه قسد على مستوى سوريا والمنطقة. ومع استمرار المشهد السوري في التعقيد، فإن القوى التي تُثبت فاعليتها ومصداقيتها ستكون الأكثر تأثيرًا في معادلات المستقبل.
ROZ PRESS NEWS