مع اقتراب انعقاد أولى جلسات البرلمان السوري خلال المرحلة الانتقالية، يعود ملف الدستور إلى واجهة النقاش السياسي بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام. فالسوريون يقفون اليوم أمام سؤال محوري يتعلق بشكل الدولة المقبلة، وطبيعة نظام الحكم، وآليات ضمان الحقوق والحريات، إضافة إلى كيفية إدارة التنوع القومي والديني والثقافي الذي تتميز به سوريا.
وعلى الرغم من تأكيد الحكومة المؤقتة خلال العامين الماضيين عزمها تشكيل لجنة دستورية جديدة بعد استكمال المؤسسات الانتقالية، فإن غياب جدول زمني واضح أبقى الملف مفتوحاً أمام النقاشات السياسية والقانونية، خاصة في ظل المطالب المتزايدة بإنتاج دستور يعكس الواقع السوري الجديد ويستجيب للتحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
تاريخ الدساتير السورية يكشف أن البلاد لم تعرف استقراراً دستورياً طويلاً منذ تأسيس الدولة الحديثة. فمنذ دستور المملكة السورية العربية عام 1920، مروراً بدساتير مرحلة الانتداب الفرنسي وما بعد الاستقلال، وصولاً إلى دستور عام 1973 وتعديلاته اللاحقة، بقيت النصوص الدستورية مرتبطة إلى حد كبير بالتحولات السياسية وتوازنات السلطة أكثر من ارتباطها بتوافق وطني واسع ومستدام.
ويُعد دستور عام 1950 من أبرز المحطات الدستورية في التاريخ السوري الحديث، إذ رسخ مبادئ الفصل بين السلطات والتعددية السياسية ومنح البرلمان دوراً محورياً في الحياة العامة. كما تضمن مجموعة واسعة من الحقوق والحريات السياسية والمدنية، ما جعله مرجعاً مهماً لدى كثير من الباحثين عند الحديث عن التجارب الدستورية الديمقراطية في سوريا.
غير أن الانقلابات العسكرية المتعاقبة حالت دون استمراره، لتدخل البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتركيز السلطة تدريجياً داخل مؤسسات الحكم. وبلغ هذا المسار ذروته مع دستور عام 1973 الذي منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة، ورسخ دور حزب البعث في قيادة الدولة والمجتمع، الأمر الذي انعكس على شكل الحياة السياسية لعقود طويلة.
وفي عام 2012 أُدخلت تعديلات دستورية مهمة من بينها إلغاء النص المتعلق بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، إلا أن العديد من القوى السياسية والباحثين اعتبروا أن جوهر النظام السياسي بقي قائماً على مركزية السلطة التنفيذية واستمرار الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الجمهورية.
ومن بين أبرز القضايا المطروحة في النقاش الدستوري السوري مسألة إدارة التنوع القومي والديني. فعلى الرغم من تأكيد معظم الدساتير المتعاقبة على مبدأ المساواة بين المواطنين، فإنها لم تقدم حلولاً دستورية واضحة تتعلق بتمثيل المكونات القومية المختلفة أو حماية خصوصياتها الثقافية واللغوية ضمن إطار الدولة.
كما بقيت مسألة اللامركزية من الملفات الخلافية المستمرة. فالنظام الدستوري السوري اعتمد تاريخياً نموذج الدولة المركزية القوية، بينما برزت خلال سنوات الحرب تجارب محلية متعددة في إدارة المناطق، ما دفع قطاعات سياسية واجتماعية إلى المطالبة بإعادة النظر في العلاقة بين المركز والأطراف وإيجاد صيغ دستورية تحقق توازناً أكبر في توزيع السلطات والصلاحيات.
الحرب التي اندلعت عام 2011 أفرزت واقعاً سياسياً وإدارياً مختلفاً عما كان قائماً سابقاً، حيث ظهرت سلطات وإدارات متعددة في أجزاء مختلفة من البلاد، الأمر الذي جعل مسألة إعادة بناء الدولة مرتبطة بشكل مباشر بإعادة صياغة العقد الدستوري بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.
وفي هذا السياق، جاء الإعلان الدستوري لعام 2025 ليضع إطاراً عاماً للمرحلة الانتقالية، مؤكداً على وحدة الدولة السورية ومفهوم المواطنة كأساس للحقوق والواجبات. إلا أن الإعلان أثار نقاشات واسعة حول مدى قدرته على معالجة قضايا التمثيل السياسي والتنوع الثقافي وآليات توزيع السلطة خلال المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن نجاح أي دستور جديد لن يعتمد فقط على جودة النصوص القانونية، بل على مدى قدرة السوريين على التوصل إلى توافق سياسي واسع حول شكل الدولة ومستقبل نظام الحكم. فالتجارب السابقة أظهرت أن الدساتير التي تُصاغ في ظل غياب التوافق الوطني غالباً ما تواجه صعوبات كبيرة في التطبيق والاستمرار.
ومع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، تبدو الحاجة ملحة إلى دستور يؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، ويضمن الحقوق والحريات، ويستوعب التنوع القومي والديني والثقافي، ويعزز المشاركة السياسية لجميع المواطنين. وبينما تتواصل النقاشات حول شكل هذا الدستور، يبقى نجاحه مرتبطاً بقدرته على التحول إلى قاعدة مشتركة تجمع السوريين وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً بعد عقود من الأزمات والتحولات المتلاحقة.
ROZ PRESS NEWS