تشهد مناطق شمال وشرق سوريا تجربة مختلفة في إدارة التنوع، حيث تتعايش المكونات القومية والدينية ضمن إطار مشروع الإدارة الذاتية، الذي يُنظر إليه من قبل البعض كخطوة نحو تعزيز الديمقراطية المحلية، فيما تعتبره أطراف أخرى تهديدًا لمصالحها الإقليمية أو السياسية.
لكن هذه التجربة تواجه اليوم تحديات متصاعدة، أبرزها محاولات ضرب الاستقرار عبر نشر خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي، في مسعى لإعادة إنتاج سياسات قائمة على مبدأ “فرّق تسد”، وهي السياسات التي طالما استخدمتها الأنظمة الاستبدادية لترسيخ سلطتها.
ويشير مراقبون إلى أن الحرب في هذه المنطقة لم تعد عسكرية فحسب، بل باتت متعددة الأوجه، تشمل الخروقات الأمنية والهجمات الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف بث الفتنة بين المكونات المختلفة وضرب النسيج المجتمعي الذي أثبت مرونته وتماسكه في وجه الأزمات السابقة.
بحسب تقارير محلية، تنشط جماعات دينية متشددة في استخدام الإعلام كأداة لنشر الفتن وتوسيع نفوذها، من خلال تشويه صورة الإدارة الذاتية والتقليل من دور المكونات الأخرى. ويُنظر إلى هذا الخطاب باعتباره مقدمة لانقسامات داخلية قد تهدد الاستقرار وتفتح الباب أمام نزاعات جديدة.
في المقابل، يؤكد مسؤولون محليون أن ما تحقق من إنجازات في شمال وشرق سوريا كان ثمرة تضحيات مشتركة لأبناء المنطقة من مختلف المكونات، ما يعزز مناعة المجتمع ضد محاولات التفتيت. ويشدد هؤلاء على أن الوعي الشعبي هو الحصن الأول في مواجهة الحملات التحريضية، وأن استمرار التعايش بين المكونات يمثل الرد العملي على هذه السياسات.
في السياق نفسه، حذرت فعاليات مدنية من تكرار سيناريوهات الفوضى والانقسام التي شهدتها مناطق أخرى مثل الساحل السوري والسويداء، حيث ساهم الخطاب الطائفي في إشعال التوترات وأدى إلى نتائج كارثية. وطالبت هذه الجهات سلطة دمشق ووزارة الإعلام بوضع ضوابط صارمة على الخطاب الإعلامي، ومنع التجييش الذي قد يجر البلاد إلى صراع أهلي.
إلى جانب ذلك، تدير تركيا وفصائل مرتبطة بها حملات تحريض ممنهجة ضد مشروع الإدارة الذاتية، بالتزامن مع جهود متزايدة تبذلها الأخيرة لترسيخ السلام والتعددية. وتؤكد هذه المصادر أن تلك الحملات تستهدف بالأساس ضرب العلاقة بين المكونات والعشائر لإضعاف أي مشروع بديل للاستبداد.
ويبقى للإعلام المحلي في شمال وشرق سوريا دور محوري في التصدي لهذه التحديات، عبر إبراز واقع التعايش ونقل صورة المجتمع كما هي، بعيدًا عن خطاب التحريض. ويرى ناشطون أن الصحافة الحرة والشفافة تمثل خط الدفاع الأول ضد التضليل، وقادرة على كشف الحقائق ومواجهة محاولات دفع المنطقة نحو الحرب والدمار.
ROZ PRESS NEWS