تتواصل في الآونة الأخيرة نقاشات سياسية وأمنية مكثفة مرتبطة بالجنوب السوري، وخاصة في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، إضافة إلى منطقة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية. هذه التطورات تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة التفاهمات المطروحة، هل تمثل خطوات نحو تسويات تعزز الاستقرار، أم أنها في جوهرها تنازلات قد تمس بالسيادة الوطنية؟
جبل الشيخ، بقممه العالية وموقعه الحساس، لا يُعد مجرد منطقة حدودية، بل يشكل نقطة ارتكاز جيوسياسية وأمنية. السيطرة على هذه المنطقة ترتبط بشكل مباشر بالأمن المائي للعاصمة دمشق، إذ يُنظر إلى الجبل بوصفه مصدراً أساسياً لتغذية حوض نهر بردى وعدد من الينابيع التي تشكل شريان الحياة لملايين السكان. أي خلل في هذه السيطرة قد ينعكس على موارد المياه الحيوية للعاصمة ومحيطها.
المصادر الإسرائيلية، من جانبها، تؤكد تمسك تل أبيب ببقاء سيطرتها على قمم جبل الشيخ، وتعتبرها خطوطاً دفاعية أولى ونقاطاً استخباراتية استراتيجية. إسرائيل ترى أن أي انسحاب من هذه المواقع لن يكون مطروحاً في الوقت الراهن، باعتبارها “ضمانة أمنية” أمام التهديدات الإقليمية، إلى جانب أهميتها في مراقبة التحركات داخل العمق السوري واللبناني.
في المقابل، تبرز مواقف داخلية وخارجية ترى أن استمرار وجود قوى أجنبية في هذه المناطق يعقد مسار التسوية السياسية في سوريا. فجنوب البلاد، الذي عانى خلال السنوات الماضية من جولات عنف متكررة، يحتاج إلى استقرار دائم يعيد الثقة للسكان المحليين ويمهد لإعادة الإعمار والتنمية. لكن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار مسألة جبل الشيخ ومصادر المياه المرتبطة به قد تظل ناقصة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
الدوائر الدبلوماسية تتحدث عن أن المفاوضات الجارية تتناول قضايا تتعلق بترتيبات أمنية وضمانات متبادلة، لكنها في الوقت نفسه تحاول إيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف. فالتفاهمات الجزئية أو المؤقتة قد تؤدي إلى تهدئة نسبية، لكنها لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة على الأرض والموارد.
في ظل هذا المشهد، يبقى مستقبل الجنوب السوري، وجبل الشيخ تحديداً، رهناً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. فالمخاطر الأمنية والمائية التي تهدد دمشق والجنوب تجعل من الملف أكثر حساسية، وتفرض على صانعي القرار التفكير بمقاربات واقعية تراعي مصالح السكان وتجنب البلاد الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
ويبقى السؤال المطروح، هل ما يجري اليوم مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة، أم أنه بداية مسار أوسع قد يعيد رسم خريطة النفوذ والسيادة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا؟
ROZ PRESS NEWS