التحركات الأخيرة في ريف دير الزور والميادين، بإشراف مباشر من المخابرات التركية وهيئة تحرير الشام، تكشف عن إعادة تفعيل تنظيم داعش كورقة سياسية وأمنية، هذه ليست المرة الأولى التي يُستخدم فيها التنظيم كأداة ضمن لعبة النفوذ الإقليمي، بل تكرار لسيناريوهات سابقة، بالمقابل تثبت أن المنطقة لأن تعرف الهدوء والاستقرار طالما أن دولاً مثل تركيا تسعى لإعادة إحياء داعش، كلما فشلت سياسياً وانهزمت دبلوماسياً أمام مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. في الفترة بين 2014 و2017، تمدد داعش في الموصل والرقة ودير الزور بفضل فراغ أمني وصراعات إقليمية، لكن سرعان ما اتضح أنّ قدرته على الاستمرار لم تكن فقط نتيجة بنيته التنظيمية، بل لوجود شبكات دعم غير مباشرة وفّرت له حرية الحركة. اليوم، ومنذ أيلول/سبتمبر 2025، نشهد إعادة إنتاج التكتيك ذاته.. نقل قيادات داعشية بارزة مثل أبو أنس وأبو مروان إلى شرق سوريا، مع محاولة كسب العشائر لإعادة توفير الحاضنة، تماماً كما حدث في المرحلة الأولى لصعود التنظيم. الاجتماع الذي عُقد في 17 سبتمبر 2025 في ريف حلب، بحضور أبو حسن العراقي وأبو عثمان الجزراوي، يذكّر بالاجتماعات المماثلة التي سبقت حملة “غزوة الرقة” عام 2014، تقسيم المجموعات إلى خلايا صغيرة من خمسة عناصر ليس ابتكاراً جديداً، بل تكرار لتكتيك “الإرهاب المرن” الذي اعتمد عليه التنظيم بعد خسارته معاقله، لكن الفرق هذه المرة أن الغطاء السياسي والاستخباراتي أوضح.. هيئة تحرير الشام تقدم الدعم اللوجستي، والمخابرات التركية توفر الحماية والتخطيط. بات واضحاً أن تركيا تستخدم داعش كـ”ورقة سرّية” للضغط على شمال وشرق سوريا، الرسالة المضمَنة في هذه التحركات تقول لقسد والإدارة الذاتية ..إن الاستقرار مرهون بالتنازلات، وتأتي هذه الضغوط في توقيت حساس مع بروز الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا، حيث تسعى أنقرة لفرض صيغة سياسية تضمن نفوذها عبر دفع قسد إلى قبول تسويات أمنية وسياسية غير مريحة، وإضعاف أي مشروع ديمقراطي محلي في شمال وشرق سوريا. مع ذلك، المشهد ليس نسخة مطابقة عن الماضي. فتجربة قسد وقوى الأمن الداخلي في مواجهة داعش منذ 2017 أكسبتهم خبرة تنظيمية وعملياتية ميدانية واستخباراتية، والأرقام تتحدث بوضوح..فخلال عشرة أشهر نفذ داعش 153 هجوماً، لكن قسد ردّت بـ70 عملية مضادة أوقعت 95 من عناصر التنظيم، بينهم قياديون، هذه الأرقام تكشف عن يقظة أمنية تمنع داعش من التحول إلى قوة مهيمنة كما في 2014، فقسد باتت تدير عمليات استباقية، تعتمد على الرصد الاستخباراتي المحلي والدعم الشعبي في مناطق شمال وشرق سوريا، وهو ما يعرقل خطة إعادة تدوير التنظيم. التحركات الأخيرة تحمل رسالة مزدوجة.. أنقرة تسعى إلى موازنة نفوذها عبر “إدارة التهديد”، فيما قسد تبعث بإشارة مضادة بأنها لن تسمح بعودة سيناريو الرقة والموصل. المواجهة ليست عسكرية فقط، بل سياسية.. صراع على شكل سوريا القادم، وعلى موقع شمال وشرق سوريا في المعادلة الانتقالية. الدرس الأبرز من المقارنة التاريخية أن داعش لم يعد تنظيماً مستقلاً بقدر ما تحول إلى أداة في يد قوى إقليمية، على رأسها تركيا، غير أن الفارق الأساسي اليوم هو يقظة قسد وقوى الأمن الداخلي، التي تدرك أن المعركة مع داعش ليست مجرد مواجهة مع بقايا تنظيم متطرف، بل مع شبكة مصالح دولية تستخدم “الإرهاب” كسلاح ضغط سياسي.
ROZ PRESS NEWS