شهدت الأيام الماضية تطوراً لافتاً في المشهد السوري – الإقليمي، تمثّل في زيارة أسعد الشيباني إلى تركيا، وذلك عقب سلسلة من اللقاءات التي جرت في دمشق بين وفود من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلى جانب وفد أميركي رفيع المستوى.
هذه الزيارة، التي جاءت في توقيت حساس، أثارت العديد من التساؤلات حول خلفياتها وأهدافها، لا سيما بعد أن عبّرت أوساط تركية رسمية وإعلامية عن انزعاج واضح من الزيارات التي جرت إلى دمشق، معتبرة أنها قد تفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين أطراف سورية بدعم دولي، خارج الرؤية التركية المعهودة تجاه الملف السوري.
وفق مصادر مطلعة، فإن زيارة الشيباني إلى أنقرة جاءت كمحاولة لاحتواء التوتر المتصاعد وإعادة ترتيب العلاقات السياسية بين أنقرة وبعض الشخصيات السورية المقربة من سلطة دمشق. إلا أن النتائج الأولية لم تُظهر أي تقدم ملموس، بل أعقبها تصعيد سياسي وإعلامي واضح من قبل مسؤولين أتراك ضد قوات سوريا الديمقراطية، واتهامات متكررة لها بـ”الانفصالية” و”التهديد للأمن القومي التركي”.
التصعيد التركي الأخير لم يقتصر على التصريحات الرسمية فحسب، بل شمل حملة إعلامية مكثفة على المنابر الحكومية والخاصة، ركزت على التشكيك في نيات الأطراف التي زارت دمشق مؤخراً، معتبرة أن واشنطن تسعى إلى إعادة فتح قنوات تواصل مع دمشق عبر بوابة الإدارة الذاتية، وهو ما تعتبره أنقرة تجاوزاً لمصالحها الأمنية والسياسية في المنطقة.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن زيارة الشيباني جاءت ضمن محاولات تركيا لإعادة الإمساك بخيوط الملف السوري بعد التطورات الأخيرة التي بدت فيها دمشق أكثر انفتاحاً على الحوار الداخلي. ويرى هؤلاء أن أنقرة تسعى إلى إيصال رسائل مزدوجة للجانبين الأميركي والسوري على حد سواء، مفادها أن أي تغيير في التوازنات الميدانية أو السياسية في شمال وشرق سوريا لا يمكن أن يتم من دون موافقتها.
وفي هذا السياق، أشار محللون إلى أن الخطاب التركي الذي أعقب الزيارة يعكس عمق القلق من التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها الإدارة الذاتية، خصوصاً بعد بروز مواقف دولية تدعو إلى حل سياسي شامل يضمن حقوق جميع المكونات السورية. ويضيف هؤلاء أن أنقرة تعتبر أي تقارب بين دمشق و”قسد” تهديداً مباشراً لنفوذها في الشمال السوري، حيث تعتمد على سلطة دمشق وهيئة تحرير الشام بزعامة أبو محمد الجولاني كأدوات نفوذ وسيطرة على الأرض.
ويذهب بعض المراقبين إلى القول إن “من يحكم دمشق اليوم فعلياً ليس الحكومة المركزية وحدها، بل شبكة من النفوذ التركي التي تمتد من الفصائل المسلحة في الشمال إلى قنوات سياسية وأمنية داخل العاصمة”، مشيرين إلى أن سلطة دمشق والجولاني لا يعدوان سوى بيادق ضمن مشروع تركي أكبر يهدف إلى الحفاظ على مناطق النفوذ الحالية ومنع قيام أي إدارة مستقلة أو اتفاق داخلي خارج المظلة التركية.
في المحصلة، تعكس زيارة الشيباني إلى تركيا حالة من التوتر والتشابك السياسي في الملف السوري، في ظل محاولات متضادة لإعادة رسم خريطة التحالفات. وبينما تسعى أنقرة إلى تعزيز قبضتها على الشمال، تبرز مؤشرات على تحرك سوري – دولي متدرج نحو مسار تفاوضي جديد قد يغيّر موازين القوى في المرحلة المقبلة.
ROZ PRESS NEWS