تشهد بعض المدارس والجامعات في المناطق الخاضعة لسلطة دمشق في شمال سوريا تصاعدًا ملحوظًا في حالات التضييق على الطلاب، بحسب شكاوى متعددة نقلها طلاب وأولياء أمور إلى وسائل إعلام محلية ومنظمات حقوقية. وتتراوح أشكال هذا التضييق بين التمييز المباشر على أساس الهوية القومية والدينية، إلى فرض توجهات فكرية متشددة، ما يحول البيئة التعليمية من مساحة للتعلم إلى ساحة ضغط نفسي وإقصاء اجتماعي.
وأفاد عدد من الطلاب بأن الاستهداف يشمل طلابًا من مختلف الخلفيات، بما في ذلك الكرد والعلويين والدروز، فضلاً عن بعض الطلاب السنة المعتدلين الذين يعارضون الفكر المتطرف. وأوضح هؤلاء أن الممارسات التي يتعرضون لها تتنوع بين شتائم وتعابير مهينة مرتبطة بالهوية القومية أو الدينية، والضغط النفسي المباشر لمحاولة فرض توجهات معينة، إضافة إلى تهميشهم داخل الصفوف الدراسية والمرافق الجامعية.
ويقول أحد الطلاب، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن “المدرسة لم تعد مكانًا لتلقي العلم، بل أصبحت أداة ضغط. أي طالب يخالف الاتجاه السائد أو يظهر مواقف مختلفة يتم استهدافه علنًا، سواء بالشتائم أو بالتهميش”. ويضيف الطالب أن هذا الجو المشحون يدفع العديد من الطلاب إلى الخوف من المشاركة في النقاشات الصفية أو التعبير عن آرائهم، ما ينعكس سلبًا على جودة التعليم وقدرتهم على تطوير مهاراتهم الشخصية والأكاديمية.
من جهتها، نقلت مصادر حقوقية عن بعض أولياء الأمور أن بعض الطلاب اضطروا لترك الدراسة أو الانتقال إلى مناطق أخرى لتجنب هذا التضييق. وتوضح هذه المصادر أن الشعور بالخوف والحرمان من الحماية الأكاديمية والاجتماعية أصبح أمرًا شائعًا بين الطلاب، ما يخلق فجوة في التعليم ويزيد من هدر الفرص الأكاديمية أمام الشباب.
وليس التضييق مجرد مسألة فردية، بل له أبعاد تنظيمية ومؤسسية. فتجارب عدة طلاب تشير إلى أن بعض المسؤولين في المدارس والجامعات يتغاضون عن الممارسات التمييزية، بل ويسهمون أحيانًا في تعزيزها، من خلال تكوين بيئة تعليمية تتحكم فيها المعايير الطائفية أو القومية على حساب المساواة والحيادية الأكاديمية. وفي هذا السياق، تحذر المنظمات الحقوقية من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تغييب دور التعليم كأداة تمكين وإعداد جيل قادر على المشاركة في المجتمع، وتحويله إلى أداة لاستقطاب الطلاب نحو الفكر المتشدد أو الإقصاء الاجتماعي.
ويؤكد مراقبون أن بيئة التعليم في مناطق سلطة دمشق بحاجة إلى إصلاح شامل يضمن حماية حقوق الطلاب، وإتاحة الفرص التعليمية للجميع دون تمييز على أساس الهوية أو الانتماء الفكري. ويرى هؤلاء أن خلق بيئة تعليمية عادلة ومحايدة لا يقتصر على تهيئة الصفوف الدراسية فقط، بل يشمل تدريب الكوادر التعليمية على التعامل مع التنوع الاجتماعي والديني، وإرساء آليات لمراقبة ومعالجة الانتهاكات في المؤسسات الأكاديمية.
في السياق ذاته، يوصي الطلاب وأولياء الأمور بضرورة تدخل الجهات المسؤولة لوضع سياسات واضحة لمكافحة التمييز داخل المدارس والجامعات، وتوفير قنوات آمنة لتقديم الشكاوى ومعالجتها دون خوف من الانتقام. ويشددون على أهمية بناء ثقافة تعليمية تقوم على الاحترام المتبادل والتسامح، بدلاً من تحويل التعليم إلى أداة للضغط النفسي والإقصاء.
تؤكد هذه الوقائع أن الأزمة في التعليم ليست مجرد قضية إدارية أو أكاديمية، بل تمثل انعكاسًا لأزمات أوسع تتعلق بالهوية والانتماء في المجتمع المحلي. وإن لم تُعالج هذه الممارسات بشكل عاجل، فقد تتحول المدارس والجامعات إلى بيئات غير آمنة، تؤثر على مستقبل الشباب وفرصهم التعليمية والمهنية، وتزيد من الانقسامات المجتمعية على المدى الطويل.
ROZ PRESS NEWS