يُعتبر ملف المقاتلين الأجانب في سوريا، وبخاصة الإيغور والفرنسيين وغيرهم، من أكثر القضايا حساسية داخل الجماعات المسلحة، لما له من انعكاسات مباشرة على التوازن الداخلي والهيكلية القتالية لهذه الفصائل. وتعد عمليات تسليم هؤلاء المقاتلين إلى بلادهم الأصلية أو إلى جهات دولية خطوة مثيرة للجدل، إذ أنها لا تؤثر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتطال البعد السياسي والعقائدي للقيادات والجماعات.
تواجه جماعة هيئة تحرير الشام، التي يقودها الشرع (أبو محمد الجولاني)، تحديات كبيرة في إدارة هذا الملف. فبينما يسعى الشرع إلى كسب اعتراف دولي وتخفيف الضغوط الدولية على الجماعة، يرى عدد من الفصائل المقاتلة، خصوصاً تلك التي تضم عناصر غير سوريين، أن هذه الخطوة تمثل تنازلاً يمس هويتهم القتالية والعقائدية. هذا الاحتقان الداخلي يظهر بوضوح مع كل عملية تسليم جديدة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويهدد وحدة الجماعة.
وفق مراقبين، فإن تسليم المقاتلين الأجانب يؤدي إلى فقدان دعم مجموعات كانت تشكل وزنًا عسكريًا مهمًا داخل التنظيم. فالمقاتلون الأجانب، الذين جاء معظمهم من دول آسيا الوسطى وأوروبا، لعبوا دوراً بارزاً في العمليات القتالية والدفاعية، وتمتعت بعض وحداتهم بقدرات تدريبية وخبرات قتالية عالية. وبالتالي، فإن فقدانهم لا يقلل فقط من القدرة العسكرية للجماعة، بل يترك فراغاً يمكن أن يُستغل من قبل جماعات منافسة أو القوى الأمنية الدولية.
الأمر لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي والعلاقات الخارجية للشرع مع فصائله. إذ يُتهم أحياناً بأن عمليات التسليم تُدار لتحقيق مصالح شخصية أو للحصول على اعتراف دولي على حساب مصالح الفصائل الأجنبية. هذه الاتهامات تُفاقم التوتر الداخلي، حيث يشعر مقاتلون أجانب بأن قيادتهم تتخلى عنهم، وهو ما يولد انقسامات وخلافات يمكن أن تؤثر على الالتزام والانضباط داخل الصفوف.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن التوترات الناتجة عن هذا الملف تتجلى في اجتماعات الفصائل وورشات التنسيق العسكري، حيث يتكرر النقاش حول الموازنة بين مصالح الجماعة والالتزامات الدولية. بعض الفصائل ترى أن التنازل عن المقاتلين الأجانب يمثل خطوة ضرورية لتقليل الضغوط الدولية وفتح قنوات سياسية، بينما يعتبر آخرون أن الأمر يمثل خيانة للمقاتلين الذين قدموا التضحيات على أرض سوريا.
إلى جانب ذلك، يثير ملف تسليم المقاتلين الأجانب نقاشات واسعة حول مستقبل الجماعة وأولوياتها. فبينما يسعى الجولاني لتثبيت موقفه السياسي على الساحة الدولية، يتطلب الحفاظ على ولاء الفصائل الأجنبية حواراً مستمراً وتوازنات دقيقة، خصوصاً مع تزايد الرقابة الدولية والضغط على الجماعات المسلحة. وقد يصبح هذا الملف اختباراً لقدرة الشرع على الجمع بين الاعتبارات العسكرية والسياسية، دون أن يترك أثرًا سلبيًا على التماسك الداخلي للجماعة.
يظل ملف المقاتلين الأجانب أحد أبرز نقاط الخلاف داخل الجماعات المسلحة في سوريا. فكل عملية تسليم لا تمس فقط الأبعاد العسكرية، بل تمتد لتشمل العقيدة والسياسة الداخلية، مهددة بتعميق الشرخ بين القيادة والجماعات غير السورية، ويطرح تساؤلات حول قدرة الجولاني على إدارة هذا الملف المعقد بين مصالح الجماعة والتحديات الدولية.
ROZ PRESS NEWS