في خطوة تُعدّ من أبرز التحولات التشريعية المرتبطة بالملف السوري منذ سنوات، أقر الكونغرس الأميركي مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للعام 2026 (NDAA)، متضمناً بنوداً جوهرية تعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في سوريا. ويبرز ضمن هذا القانون بندان أساسيان: إلغاء عقوبات قيصر وإدراج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية ضمن أي إطار سياسي مستقبلي لسوريا، بما يمنح هذه القوى موقعاً سياسياً رسمياً لأول مرة في وثيقة تشريعية أمريكية.
منذ سنوات، اقتصر الدور الأمريكي في سوريا على دعم قسد عسكرياً في إطار الحملة ضد تنظيم داعش، دون تبني موقف سياسي واضح بشأن مستقبل هذه القوة. لكن مع إقرار الـNDAA لعام 2026، تنتقل واشنطن من مستوى الدعم العسكري إلى مستوى التثبيت السياسي، في تحول سلط الضوء على رؤية أمريكية مختلفة لمستقبل سوريا بعد سقوط النظام السابق وبدء مرحلة إعادة صياغة المشهد السياسي في البلاد.
هذا التغيير يعكس، وفق مراقبين، توجهاً أمريكياً طويل الأمد يمنع إقصاء المكونات التي لعبت أدواراً محورية خلال المعارك ضد الجماعات المتطرفة، ويعزز التوازنات الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب.
يتضمن القانون بنداً واضحاً وصريحاً يؤكد أن قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا يجب أن تكونا جزءاً أساسياً من أي عملية سياسية أو إطار حكم مستقبلي للبلاد. ويُنظر إلى هذا النص باعتباره اعترافاً رسمياً من مؤسسة تشريعية عظمى بدور هذه القوى، وباعتباره ضمانة سياسية تعزز من موقعها التفاوضي أمام أي حكومة مركزية قادمة في دمشق.
المحللون وصفوا هذا النص بـ”التحول التاريخي”، كونه يرتقي بمكانة قسد من شريك عسكري إلى طرف سياسي معترف به، ويمثل خطوة تفرض واقعاً جديداً على الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة في الملف السوري.
يحمل القانون الجديد تداعيات استراتيجية واسعة، أبرزها:
_ ترسيخ دور قسد في التسوية المستقبلي، إذ باتت واشنطن تربط استقرار سوريا بوجود ممثلي شمال وشرق البلاد ضمن العملية السياسية، بما يمنع أي محاولة لتهميش قسد أو إقصائها بعد سنوات من الشراكة العسكرية.
_ تعزيز موقع الإدارة الذاتية إقليمياً، يشكل التشريع رسالة مباشرة للدول المجاورة، لا سيما تركيا، التي تعترض على أي دور سياسي لقسد. ويُعد القانون إشارة إلى أن واشنطن باتت تنظر للإدارة الذاتية كجزء من الحل وليس كجزء من المشكلة.
_ حماية مكتسبات المكونات المحلية، من خلال التأكيد على ضرورة تمثيل المكونات الكردية والعربية والسريانية ضمن أي هيكل حكم جديد، في إطار يضمن التعددية والتوازن الاجتماعي في مناطق شمال وشرق سوريا.
يشير القانون إلى تقاطع واضح بين الرؤية السياسية لقسد وبين المقاربة الأمريكية الجديدة، إذ يميل الاتجاه العام في واشنطن نحو دعم نموذج الحكم الديمقراطي اللامركزي، الذي يمنح المناطق صلاحيات واسعة في الإدارة والأمن والاقتصاد، دون المساس بوحدة الأراضي السورية.
ويرى خبراء أن الموقف الأمريكي يعكس قناعة بأن النموذج المركزي الصارم الذي حكم سوريا لعقود لم يعد صالحاً، وأن الاستقرار يتطلب توزيعاً متوازناً للسلطات بين المركز والأطراف، في صيغة تضمن حقوق المكونات وتحدّ من عودة الاستبداد.
يجمع الـNDAA لعام 2026 بين بند إلغاء عقوبات قيصر، التي فرضت على الحكومة السورية عام 2020، وبين تثبيت الدور السياسي لقسد، ما يعكس رؤية أمريكية متكاملة ترسم خطوط التدخل السياسي والأمني في سوريا خلال السنوات القادمة. ويؤكد جمع هذين البندين في وثيقة واحدة أن واشنطن تتجه نحو إعادة صياغة سياستها السورية على أسس جديدة، تجمع بين الضغط السياسي والدعم المؤسسي للقوى المحلية التي تحظى بثقتها.
يفتح هذا التشريع فصلاً جديداً في المشهد السوري، ويؤسس لإطار سياسي مختلف عما كان سائداً طوال العقد الماضي. فبينما يعيد إلغاء عقوبات قيصر ترتيب أوراق الاقتصاد السوري، يمنح تثبيت الدور السياسي لقسد ثقلاً جديداً لشمال وشرق سوريا داخل التوازنات الوطنية. ومع ذلك، يبقى مدى تنفيذ هذه البنود مرهوناً بتطورات الميدان، وبتوازنات القوى الإقليمية، وبقدرة الأطراف السورية على الدخول في عملية سياسية جدية وشاملة.
ROZ PRESS NEWS