في الذكرى السنوية الأولى لتولي سلطة دمشق مهامها عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، تبدو البلاد أمام حالة من الانسداد السياسي المتفاقم، وسط تعقيدات داخلية وضغوط خارجية حالت دون تحقيق الأهداف التي رُفعت في مرحلة ما بعد التغيير. فبعد عام من الوعود بإطلاق مسار وطني جامع، ما زالت ملامح المرحلة الانتقالية ضبابية، مع تعثر واضح في بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة التنوع السياسي والمجتمعي.
منذ الأيام الأولى لتسلمها السلطة، أعلنت سلطة دمشق التزامها بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على العدالة الانتقالية، وصياغة دستور توافقي، والتحضير لانتخابات عامة. غير أن هذه العناوين بقيت، إلى حد كبير، في إطار التصريحات، مع بطء شديد في تحويلها إلى خطوات عملية. ويرى مراقبون أن غياب رؤية سياسية واضحة، إضافة إلى الخلافات داخل مكونات السلطة نفسها، ساهم في إضعاف قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات حاسمة.
سياسياً، تعاني سلطة دمشق من أزمة شرعية متنامية. فشرائح واسعة من السوريين، ولا سيما في مناطق شمال وشرق البلاد، تشكو من ضعف التمثيل في هياكل الحكم، ومن استمرار نهج الإقصاء بدل الانفتاح على القوى الفاعلة على الأرض. كما أن ملف الحوار الوطني لم يحقق تقدماً ملموساً، إذ بقي محصوراً في لقاءات محدودة لم تفضِ إلى تفاهمات شاملة حول شكل الدولة ونظام الحكم.
على الصعيد الأمني، لا تزال سوريا تعيش حالة من الهشاشة، مع استمرار التوتر في عدة مناطق، وغياب استراتيجية موحدة لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية. هذا الواقع انعكس سلباً على الاستقرار العام، وأبقى المخاوف قائمة من عودة الفوضى أو انفجار صراعات محلية في ظل الفراغ السياسي والإداري.
اقتصادياً، يواجه السوريون ظروفاً معيشية قاسية، تفاقمت بفعل استمرار العقوبات، وتراجع الدعم الدولي، وضعف الموارد المحلية. ورغم الوعود بتحسين الوضع الاقتصادي، لم تنجح سلطة دمشق في تقديم حلول ملموسة للأزمات الأساسية، مثل ارتفاع الأسعار، وتدهور قيمة العملة، ونقص الخدمات. ويعزو خبراء ذلك إلى غياب خطة اقتصادية واضحة، إضافة إلى استمرار الفساد وضعف الرقابة على مؤسسات الدولة.
أما على المستوى الخارجي، فقد وجدت سلطة دمشق نفسها في موقع معقد، بين محاولات الانفتاح على المجتمع الدولي، وشروط سياسية صارمة تضعها بعض الدول مقابل أي دعم أو اعتراف. كما أن التباينات الإقليمية حول الملف السوري انعكست سلباً على فرص التوصل إلى توافق دولي داعم لمسار الانتقال، ما أبقى سوريا ساحة لتجاذبات المصالح.
في المقابل، تتصاعد أصوات داخل المجتمع السوري تطالب بمراجعة شاملة لأداء سلطة دمشق، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن مشاركة أوسع لمختلف القوى السياسية والمجتمعية. ويرى ناشطون أن نجاح أي مرحلة انتقالية مرهون بقدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد، يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لدولة قانون ومواطنة، بعيداً عن منطق الهيمنة والتفرد.
بعد عام على سقوط النظام السابق، تبدو سوريا أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تتمكن سلطة دمشق من تصحيح مسارها، والانخراط في عملية سياسية حقيقية وشاملة، أو أن يستمر المأزق القائم، مع ما يحمله من مخاطر على وحدة البلاد ومستقبلها. وفي ظل هذا الواقع، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة، بانتظار إجابات تتجاوز الشعارات إلى أفعال ملموسة على الأرض.
ROZ PRESS NEWS