تمر سوريا اليوم بمرحلة معقدة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، حيث لم تعد الأزمة محصورة في المواجهات العسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى حالة من التفكك السلطوي المدفوع بالعنف وتآكل مؤسسات الدولة التقليدية.
في هذا السياق، يقدم الدكتور مجد القلعاني، الإعلامي والمختص بالقضايا السياسية، قراءة معمقة للمشهد السوري الحالي، مؤكداً أن ما يجري في البلاد يمثل تحولا بنيوياً يهدد ما تبقى من النسيج الوطني، وليس مجرد خلل أمني عابر.
يرى القلعاني أن السلطة السورية تعتمد اليوم ثلاث مقاربات أساسية تعكس حجم الانهيار وفقدان الدولة لاحتكار القوة. المقاربة الأولى تتعلق بتآكل احتكار القوة، إذ فشلت السلطات في فرض قانون موحد، واستبدلت المؤسسة الأمنية التقليدية بالمرتزقة، الذين يُقدمون كأبطال ضمن إعادة ترتيب النفوذ والمصالح. هذا التغيير حول السلاح إلى أداة لإعادة توزيع السلطة بدلاً من وسيلة لحماية المواطنين، وأصبح العنف والجريمة جزءاً من التوازنات السياسية غير المعلنة، مما أسهم في تكريس مناخ عدم الاستقرار وانعدام الثقة بين السلطات والمجتمع.
المقاربة الثانية تتعلق بتسييس الهوية، حيث تُستدعى الانتماءات الطائفية والمناطقية كآلية للتعبئة والردع. ويشير القلعاني إلى أن العمليات الإرهابية، مثل تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص، تعكس سياسة زرع الخوف وتوجيه رسائل سياسية عبر الدماء، ما يفتح المجال أمام منطق الانتقام الجماعي ويضعف الخطاب الوطني الجامع. هذا الأسلوب يحوّل الانتماءات المحلية والطائفية إلى أدوات سياسية، ويزيد من الشرخ الاجتماعي ويعمق الشعور بالتهديد في مناطق عدة.
أما المقاربة الثالثة فتعكس سياسة الإفلات من العقاب، إذ يحول غياب المحاسبة الانتهاكات الفردية والجماعية إلى جزء من اللعبة السياسية. يشير القلعاني إلى أن هذا الواقع دفع بعض المناطق مثل السويداء والساحل السوري إلى حالة من القلق السياسي، بعد شعور متزايد بانعدام الحماية وغياب الضمانات. نتيجة لذلك، تحولت المطالب في هذه المناطق من مسائل معيشية إلى مطالب سياسية تشمل وقف الانتهاكات وتحقيق اللامركزية وتوزيع السلطة بشكل أكثر عدالة.
انتشار الآليات العسكرية الثقيلة في بعض المناطق قد يعطي انطباعاً باستعادة السيطرة، لكنه في الواقع يعزز الردع القسري على حساب بناء الثقة بين السلطات والمجتمع. في هذا المناخ، تجد الشبكات الإجرامية والجماعات المتطرفة بيئة مثالية للنمو والتوسع، وهو ما يصفه القلعاني بـ”الفوضى المنضبطة”، أي حالة يتحرك فيها العنف ضمن حدود غير معلنة، لكنها تخدم مصالح قوى معينة على حساب الاستقرار العام.
ويشدد المحللون على أن خيار اللامركزية الديمقراطية يمثل حلاً عملياً لمواجهة هذه الشبكات وحماية المجتمع من التهميش. ويؤكد أن المطالب الاجتماعية والسياسية للسويداء وشمال وشرق سوريا والساحل لا تهدف إلى تفكيك الدولة، بل تسعى لإعادة توزيع السلطة بشكل أكثر عدالة، وتعزيز مشاركة المكونات المحلية في اتخاذ القرارات، ما يخلق فرصاً لبناء الثقة وتقليل الاحتكاكات بين مختلف الأطراف.
سوريا أمام خيارين رئيسيين: الاستمرار في منطق القوة والهيمنة المركزية، ما يكرس الانقسامات والعنف، أو الانتقال إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على مشاركة محلية واسعة، يضمن حماية الحقوق ويخفف من حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي. وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية، يبدو أن النقاش حول اللامركزية والديمقراطية المحلية ليس ترفاً سياسياً، بل حاجة ملحة للحفاظ على ما تبقى من النسيج الوطني وضمان استقرار طويل الأمد للبلاد.
الأزمة السورية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تشمل السلطة، المجتمع، والهوية، ما يتطلب حلولاً مبتكرة وعقلانية ترتكز على المشاركة والعدالة واللامركزية لتجنب الانهيار الكامل.
ROZ PRESS NEWS