تشهد مدينة حلب منذ أسابيع تصعيداً عسكرياً متكرراً يستهدف حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وسط قصف متبادل وحصار خانق طال السكان المدنيين، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والخدمية بشكل غير مسبوق. ورغم أن هذه الهجمات تُقدَّم على أنها جزء من صراع أمني أو عسكري محدود، إلا أن مراقبين يرون فيها بعداً سياسياً أعمق يتجاوز حدود حلب، ويرتبط بمحاولات صرف الأنظار عن تطورات خطيرة تجري في الجنوب السوري.
حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، اللذان يقطنهما مئات الآلاف من المدنيين، تحولا في الآونة الأخيرة إلى ساحة استنزاف عسكري وإعلامي. فالقصف المتكرر، وإغلاق المعابر، ومنع دخول المواد الأساسية، خلق حالة من التوتر الدائم، وفرض على السكان واقعاً معيشياً قاسياً، في وقت تغيب فيه أي مؤشرات حقيقية على حلول سياسية أو إنسانية قريبة.
لكن اللافت، بحسب محللين سياسيين، هو تزامن هذا التصعيد مع تطورات متسارعة في الجنوب السوري، حيث تشهد تلك المنطقة انتشاراً إسرائيلياً متزايداً وتحركات سياسية وأمنية غير مسبوقة. ويرى هؤلاء أن فتح جبهات داخلية في الشمال، وتحديداً في حلب، يخدم هدف إشغال الرأي العام السوري، وإبعاده عن متابعة ما يجري في الجنوب من ترتيبات قد تصل إلى مستوى التنازل السياسي أو الأمني غير المعلن.
ويشير مراقبون إلى أن تكتيك “المعارك الجانبية” لطالما استُخدم في الصراعات الكبرى، إذ يتم تضخيم أحداث أمنية داخلية، وتسليط الضوء الإعلامي عليها، لتهميش ملفات أكثر حساسية وخطورة. وفي الحالة السورية، يبدو أن ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية يُستثمر لإغراق الشارع في جدل أمني ومعيشي، بدلاً من طرح تساؤلات حول طبيعة الاتفاقات أو التفاهمات التي تُحاك بصمت في الجنوب.
في الجنوب السوري، تتزايد التقارير عن تفاهمات غير مباشرة، وانتشار عسكري إسرائيلي في مناطق متاخمة، وسط صمت رسمي وإعلامي لافت. هذا الصمت، بحسب محللين، لا يمكن فصله عن حالة الانشغال الشعبي بما يحدث في حلب وغيرها من المناطق الساخنة، حيث تُقدَّم الأولويات اليومية للناس على حساب القضايا السيادية الكبرى.
من جهة أخرى، يحذر ناشطون من أن استمرار الهجمات على الأحياء السكنية في حلب، واستخدام المدنيين كورقة ضغط، لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يساهم أيضاً في تمرير مشاريع سياسية خطيرة دون مساءلة شعبية. فحين ينشغل الناس بتأمين الخبز والماء والدواء، يصبح من الصعب عليهم متابعة ما يجري في الكواليس السياسية.
ويرى متابعون للشأن السوري أن الربط بين المسارين، العسكري في الشمال والسياسي في الجنوب، بات أمراً مشروعاً، خاصة في ظل غياب الشفافية، وتكرار السيناريوهات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، حيث كانت الأزمات الداخلية تُستغل لتغيير الوقائع على الأرض بهدوء.
في المحصلة، فإن الهجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد السوري العام. فالتصعيد في حلب، إلى جانب ما يجري في الجنوب السوري، يعكس مرحلة حساسة من إعادة رسم التوازنات، وسط مخاوف حقيقية من أن يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء بالقصف والحصار، أو بضياع قضايا سيادية كبرى بعيداً عن أعين الرأي العام.
ROZ PRESS NEWS