أخبار عاجلة

الجـ.ـغرافيا التي عصـ.ـت الكـ.ـسر..الشيخ مقصود والأشرفية من انـ.ـتفاضة 2004 إلى عـ.ـدوان 2026

تُعدّ مدينة حلب واحدة من أقدم الحواضر الإنسانية، ويمثل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً خاصاً في تاريخها المعاصر، حيث تحوّلا خلال ربع قرن من أحياء سكنية مهمّشة إلى مركز ثقل سياسي ومجتمعي وعسكري، ارتبط اسمهما بالمقاومة والتنظيم الذاتي والدفاع عن الوجود.
يقطن الحيان مزيج سكاني متنوع، غالبيته من الكرد إلى جانب العرب والتركمان والأرمن، وقد نشآ بفعل الهجرات الريفية، قبل أن يكتسب الشيخ مقصود أهمية استراتيجية بحكم إشرافه الجغرافي على مساحات واسعة من مدينة حلب، ما جعله هدفاً دائماً لمختلف القوى المتصارعة.
لم تكن مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية وليدة الأزمة السورية عام 2011، بل سبقتها بسنوات. ففي 15 شباط 2001 شهد الشيخ مقصود أول تظاهرة علنية كبرى في عهد بشار الأسد، احتجاجاً على اعتقال القائد عبد الله أوجلان، وقوبلت بعنف أمني واسع واعتقالات وتعذيب.
بلغت المواجهة ذروتها خلال انتفاضة آذار 2004، حيث فرض النظام البعثي حصاراً مشدداً على الحيين. وفي 16 آذار ارتكبت قوات الأمن مجزرة في حي الأشرفية أسفرت عن استشهاد ثلاثة مدنيين، لتتحول الاحتجاجات السلمية إلى انتفاضة شعبية واسعة. شكّلت تلك الأحداث لحظة مفصلية في تشكّل الوعي السياسي والهوية النضالية لسكان الحيين، واستمرت الملاحقات والاعتقالات خلال الأعوام اللاحقة.
مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، كان الشيخ مقصود والأشرفية من أوائل الأحياء التي انتقلت إلى العمل المنظم. افتُتحت مؤسسات ثقافية واجتماعية علنية، وجرت انتخابات المجالس الشعبية، في تحدٍّ مباشر لسلطة النظام.
وفي عام 2012، ومع تصاعد تهديدات الشبيحة، تشكلت نواة الدفاع الذاتي. وأسفرت المواجهات مع المجموعات الأمنية الموالية للنظام عن طردها من الحيين، وتأسيس لجان الحماية المدنية، ثم الإعلان عن تشكيل وحدات مقاومة محلية تزامناً مع ثورة 19 تموز في روج آفا.
تعرض الحيان بين عامي 2013 و2016 لأعنف الهجمات، من النظام البعثي من جهة، ومن فصائل متشددة من جهة أخرى. شملت الهجمات قصفاً جوياً، واستخدام القنابل العنقودية، ومواد كيميائية سامة، وسقوط عشرات الضحايا المدنيين.
كما فُرض حصار خانق، بلغ ذروته عام 2016، تخللته هجمات منظمة على الأحياء السكنية والمراكز الطبية. ورغم ذلك، تمكنت وحدات حماية الشعب والمرأة، بدعم الأهالي، من كسر الهجمات، وصولاً إلى إنهاء الحصار وتوسيع نطاق السيطرة في أحياء شرقي حلب أواخر 2016.
بعد سقوط نظام البعث أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة، حافظ خلالها الشيخ مقصود والأشرفية على خصوصيتهما الأمنية. وجرى توقيع اتفاقين في 10 آذار و1 نيسان 2025، ضمنا بقاء قوى الأمن الداخلي في الحيين ومنع التصادم العسكري.
غير أن هذه التفاهمات لم تمنع تكرار الهجمات. ففي مطلع كانون الثاني 2026، شنت مجموعات تابعة لسلطة دمشق، بدعم تركي، هجوماً واسعاً استهدف الأحياء السكنية والمشافي، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى. ورداً على ذلك، أعلن أهالي الشيخ مقصود والأشرفية حالة النفير العام، مؤكدين رفضهم التهجير القسري وتمسكهم بخيار المقاومة.
منذ عام 2001 وحتى اليوم، شكّل الشيخ مقصود والأشرفية حالة فريدة في حلب وسوريا عموماً. إنها قصة مجتمع واجه القمع والحصار والحرب، وبنى نموذجاً للصمود والتنظيم الذاتي، مؤكداً أن الجغرافيا المدعومة بالإرادة الشعبية قادرة على هزيمة مشاريع الإقصاء والتهجير، مهما تبدلت الوجوه السياسية.

شاهد أيضاً

فيـ.ـضانات الفرات تفـ.ـضح هشـ.ـاشة الـ.ـخدمات وتـ.ـفاقم غـ.ـضب الأهالي في دير الزور والرقة

مع ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات خلال الأيام الأخيرة، دخلت مدينتا دير الزور والرقة مرحلة …