عاد مصطلح الاندماج إلى صدارة الخطاب السياسي السوري، مع تصاعد الحديث عن تفاهمات محتملة بين الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وسلطة دمشق. ورغم أن المصطلح يوحي بالوحدة الوطنية والشراكة، إلا أنه يخفي صراعًا عميقًا بين رؤيتين متناقضتين حول مستقبل الدولة والمجتمع. هذا التباين يجعل مسألة الاندماج أكثر من كونها قضية تقنية أو إدارية، بل مسألة مصيرية تتعلق بشكل الدولة وطبيعة الحياة المشتركة في سوريا.
من منظور الإدارة الذاتية، يُفهم الاندماج على أنه توافق عضوي بين المجتمع الديمقراطي والدولة، لا عملية ذوبان أو إلغاء للخصوصيات. فالمجتمع، وفق هذا التصور، يحتفظ بتعدديته الثقافية والقومية والدينية، ويشارك في إدارة شؤونه عبر آليات ديمقراطية تشاركية. الاندماج هنا يعني شراكة حقيقية، واعترافًا متبادلاً، وليس فرضًا أحاديًا من الدولة على المجتمع.
هذا الفهم يستند إلى تجربة الإدارة الذاتية العملية، التي طورت خلال سنوات الصراع أسسًا جديدة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على اللامركزية، وتمكين الشعوب، واحترام الخصوصيات المحلية. الإدارة الذاتية ترى أن الأزمة السورية نشأت جزئيًا نتيجة احتكار السلطة وإنكار التنوع، ومن ثم فإن الاندماج الذي تقترحه هو إعادة صياغة للدولة بحيث تصبح إطارًا جامعًا لمجتمع متعدد، وليس أداة لإخضاعه قسرًا.
في المقابل، تقدم سلطة دمشق تصوّرًا مختلفًا للاندماج، يعتمد في جوهره على الانحلال داخل النظام القائم. وفق هذا المنطق، يجب أن تُعاد جميع البنى السياسية والإدارية والعسكرية إلى المركز، مع التخلي الكامل عن أي خصوصيات محلية أو تجارب حكم ذاتي. هذا النموذج يعكس عقلية سلطوية ترى في التعدد واللامركزية تهديدًا، وفي المجتمع عنصرًا يجب إخضاعه وليس شريكًا يُتفاهم معه. ونتيجة لذلك، يتحول مصطلح الاندماج في هذا السياق إلى أداة لإعادة إنتاج الإقصاء، بدلًا من كونه جسرًا لتقريب السوريين وبناء وحدة وطنية حقيقية.
الخطورة تكمن في أن أي محاولة لفرض هذا النوع من الاندماج الأحادي قد تؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع السوري. فالدولة السورية تعاني أصلاً من تصدعات طائفية وقومية ومناطقية، وأي فرض لقالب موحد دون ضمانات سياسية ودستورية قد يزيد من الاحتقان، وربما يعيد إنتاج دوامة العنف وعدم الاستقرار.
لذلك، يشدد خبراء وشخصيات سياسية على أن الاندماج الحقيقي لا يتم عبر إلغاء الاختلاف، بل من خلال تنظيمه ضمن عقد اجتماعي جديد يضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرار، ويعترف بالتعددية والخصوصيات المحلية كمكون أساسي للدولة. هذا يتطلب مقاربة فلسفية وسياسية عميقة، لا يمكن اختزالها في إجراءات إدارية أو دمج شكلي.
خلاصة القول، أن جوهر الخلاف بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق ليس مسألة إدارية أو أمنية، بل خلاف فلسفي وسياسي حول معنى الدولة، ودور المجتمع، وحدود السلطة. وأي حديث عن اندماج يجب أن يبدأ من معالجة هذا الخلاف الجذري لضمان استدامة الدولة ووحدة المجتمع، وإلا فإن المصطلح سيبقى مجرد شعار فضفاض، يستخدم لتجميل سياسات قديمة، بينما الأزمة السورية تستمر في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة.
يبقى التحدي الأكبر هو كيفية بناء إطار سياسي يسمح بالاندماج الحقيقي، يحمي الحقوق، ويضمن الشراكة بين جميع مكونات المجتمع السوري، بعيدًا عن الإقصاء والسيطرة الأحادية، بما يضمن مستقبلًا مستقرًا وسلميًا للبلاد بأكملها.
ROZ PRESS NEWS