في أعقاب التصعيد العسكري الذي شهدته أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، برزت إلى الواجهة حملة تضليل إعلامي واسعة، حاولت إعادة صياغة الوقائع الميدانية بما يخدم أطرافاً بعينها، ويُبعد الأنظار عن حقيقة ما جرى على الأرض. هذه الحملة لم تقتصر على تبرير الهجمات، بل سعت إلى قلب الأدوار، وخلق سردية مغايرة للوقائع الموثقة، في وقت كانت فيه الأحياء السكنية تتعرض للقصف والحصار، ويُدفع المدنيون نحو النزوح القسري.
منذ الأيام الأولى للهجمات، انتشرت عبر وسائل إعلام ومنصات رقمية روايات تتحدث عن “عمليات أمنية” أو “اشتباكات محدودة”، في محاولة للتقليل من حجم الانتهاكات. غير أن الشهادات الميدانية، وتقارير المنظمات الحقوقية، وصور الدمار والضحايا، كشفت أن ما جرى كان هجوماً منظماً استهدف مناطق مأهولة بالسكان، وأدى إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، إضافة إلى تدمير واسع في البنية التحتية والممتلكات المدنية.
اللافت في حملة التضليل هو تركيزها على تشويه صورة الأهالي والقوى المدافعة عن الأحياء، عبر اتهامهم بالتصعيد أو بتهديد “الأمن والاستقرار”، في حين تجاهلت هذه السرديات حقيقة الحصار المفروض، والقصف المدفعي العشوائي، ومنع وصول المساعدات الإنسانية. كما جرى الترويج لمعلومات غير دقيقة حول عودة “الهدوء” أو “حلّ الأزمة”، بينما كانت الاشتباكات تتجدد، وحركة النزوح تتسع يوماً بعد يوم.
في المقابل، أظهرت الوقائع الميدانية تحركات مغايرة تماماً لما روّجت له تلك الحملات. فقد وثّق ناشطون استمرار التعزيزات العسكرية، ونصب حواجز جديدة، وتضييق الخناق على مداخل الأحياء، إضافة إلى استهداف مباشر للمناطق السكنية. هذه التحركات دلّت بوضوح على وجود نية لتكريس واقع جديد بالقوة، وليس مجرد ردّ فعل ظرفي كما حاولت بعض الجهات تصويره.
تقارير الأمم المتحدة بدورها نسفت الكثير من روايات التضليل، إذ دعت المنظمة جميع الأطراف إلى حماية المدنيين، وأكدت تلقيها معلومات عن نزوح نحو 119 ألف شخص من منازلهم في حلب، معظمهم من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد. كما شددت على ضرورة وقف الأعمال العدائية، وضمان المرور الآمن للنازحين، وحماية البنية التحتية المدنية، وهو ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية الناتجة عن الهجمات.
ويرى مراقبون أن هذه الحملات الإعلامية ليست جديدة في السياق السوري، بل تُستخدم كأداة موازية للسلاح، تهدف إلى كسب الوقت، وامتصاص ردود الفعل الدولية، وإرباك الرأي العام. فالتضليل لا يقل خطورة عن القصف، لأنه يطمس الحقيقة، ويُفقد الضحايا صوتهم، ويمهّد لتكرار الانتهاكات دون محاسبة.
في هذا السياق، لعبت وسائل الإعلام المستقلة وشهادات السكان دوراً محورياً في كسر الرواية المضللة، عبر نقل ما يجري من قلب الأحياء المحاصرة، وتوثيق آثار القصف ومعاناة المدنيين. كما ساهمت هذه الجهود في إعادة تسليط الضوء على جوهر القضية، باعتبارها مسألة حماية مدنيين وحقوق إنسان، لا مجرد خلافات عسكرية أو سياسية.
ختاماً، تكشف أحداث ما بعد الشيخ مقصود أن معركة الحقيقة لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فبينما تسعى حملات التضليل إلى إعادة كتابة الواقع، تفرض الوقائع الميدانية نفسها كدليل دامغ على حجم الانتهاكات. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الحقائق إلى ضغط فعلي يفضي إلى وقف الهجمات، وضمان المحاسبة، ومنع تكرار المأساة بحق المدنيين في حلب وسواها من المدن السورية.
ROZ PRESS NEWS