بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، في الآونة الأخيرة، خطوات عملية لنقل محتجزي تنظيم داعش من سجون شمال وشرق سوريا إلى العراق، في ما وصفته الحكومة الأمريكية بأنه “إجراء أمني وإنساني”، إلا أن هذه الخطوة أثارت موجة من الجدل حول المسؤولية القانونية والأخلاقية للولايات المتحدة والدول الأوروبية التي يشارك مواطنوها ضمن صفوف التنظيم المتطرف.
وفق تصريحات رسمية، حثّت واشنطن الدول الأوروبية التي يقاتل رعاياها ضمن صفوف تنظيم داعش على تسلم هؤلاء المحتجزين ومحاكمتهم أمام القضاء. جاء ذلك على لسان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أكد دعم بلاده لمبادرة الحكومة العراقية بإيواء المقاتلين في مراكز احتجاز آمنة، بعد الاضطرابات التي شهدها شمال شرق سوريا خلال الأشهر الأخيرة. وأوضح المسؤولون أن نقل المعتقلين سيشمل نحو سبعة آلاف عنصر، يتم تحويل المئات منهم يومياً عبر الحدود السورية العراقية، مع التركيز على العناصر الأكثر خطورة.
في المقابل، أثارت تصريحات توم باراك، أحد المسؤولين الأمريكيين، جدلاً واسعاً، إذ أشاد بقدرة الولايات المتحدة على “ضمان أمن المحتجزين” والتنسيق مع السلطات العراقية لتنظيم نقلهم. واعتبر مراقبون هذه التصريحات بمثابة دعم غير مباشر للهجمات التي شنّها التنظيم، خصوصاً وأن نقل المقاتلين يتم في أجواء مضطربة، مع غياب ضمانات كافية لحماية المدنيين في المناطق المحيطة ومخاطر محتملة من هروب أو تحرك عناصر التنظيم.
المحلل السياسي السوري، أيمن الكردي، وصف موقف الولايات المتحدة بأنه “إطار دعم غير مباشر لما تبقى من شبكات تنظيم داعش”، مشيراً إلى أن نقل هؤلاء العناصر دون رقابة دولية صارمة قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويعيد إشعال العنف في مناطق عدة بالعراق وسوريا. وأضاف الكردي أن واشنطن تتحمل جزءاً كبيراً من النتائج المترتبة على أي تحرك خاطئ، سواء كان ذلك عبر هروب معتقلين أو حدوث هجمات انتقامية على المدنيين.
أما على الصعيد الإنساني، فقد حذّرت منظمات حقوقية دولية من أن هذه الخطوة تأتي في وقت تتعرض فيه المناطق الحدودية بين سوريا والعراق لضغوط أمنية كبيرة، إلى جانب نقص التمويل والخدمات الأساسية في مراكز الاحتجاز العراقية. وذكرت المصادر أن الأولوية في نقل المعتقلين تُعطى للعناصر الخطيرة من جنسيات متعددة، بينما تبقى هناك مخاوف حقيقية من التدهور الصحي والمعيشي للمحتجزين، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية بالفعل.
المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أكّد أن العملية تتم “بالتنسيق مع الحكومة العراقية”، وأن الولايات المتحدة تقدم الدعم اللوجستي والأمني لضمان انتقال آمن للمعتقلين، مشيراً إلى أن “الأولوية القصوى هي منع أي تهديد على المدنيين، وضمان تقديم هؤلاء الأشخاص للعدالة”، إلا أن مراقبين اعتبروا أن واقع الأرض يثبت أن هذا الدعم اللوجستي قد يسهّل استمرار نشاط داعش في المنطقة، لا سيما إذا لم تُفرض رقابة دولية صارمة.
من جانبها، دعت الأمم المتحدة الدول المعنية إلى الالتزام بالمعايير الدولية، وضمان توفير حقوق المحتجزين، ومراقبة ظروف النقل والإيواء، مؤكدين أن أي تجاهل لهذه المعايير قد يُحمّل المسؤولية للأطراف التي تشارك في النقل، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
في النهاية، يظل نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق خطوة سياسية وأمنية معقدة، تحمل في طياتها أبعاداً قانونية وإنسانية حساسة. فبينما ترى الولايات المتحدة هذه العملية كوسيلة لضمان السيطرة على المتطرفين ومنع عودتهم للقتال في سوريا، يرى البعض أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين، مثل توم باراك، تشكل دعماً غير مباشر للهجمات السابقة، وتحمل واشنطن مسؤولية النتائج الإنسانية المحتملة، بما في ذلك مخاطر استغلال المعتقلين في إعادة تجنيد شبكات التنظيم.
يبقى السؤال مطروحاً: هل ستتمكن الولايات المتحدة والدول الأوروبية من الموازنة بين الأبعاد الأمنية وحقوق الإنسان، أم أن هذه الخطوة ستتحول إلى عامل جديد في دائرة الصراع المستمرة في سوريا والعراق؟ الجواب يبدو أنه مرتبط بمدى التزام جميع الأطراف بالمعايير الدولية، والرقابة الدقيقة على كل مرحلة من مراحل النقل والإيواء.
ROZ PRESS NEWS