في ظلّ تصاعد القمع الدموي الذي يمارسه النظام الإيراني بحقّ الشعوب والمكوّنات المختلفة داخل البلاد، تتكشّف يوماً بعد آخر صورة أكثر قتامة عن حجم المجازر والانتهاكات الممنهجة التي تُرتكب لإسكات أي صوت يطالب بالحرية والعدالة. فمن الإعدامات الميدانية، إلى الاعتقالات الجماعية، مروراً باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، يعتمد النظام سياسة الحديد والنار كخيار ثابت في مواجهة أي حراك شعبي، في محاولة لترسيخ حكمه عبر الخوف بدل الشرعية الشعبية.
وخلال الأشهر الأخيرة، وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية عشرات الحالات لقتل مدنيين عُزّل في مناطق مختلفة، لا سيما في كردستان إيران وبلوشستان والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى. وتشير هذه التقارير إلى أن الأجهزة الأمنية تستخدم الذخيرة الحية بشكل مباشر لتفريق الاحتجاجات، دون أي اعتبار للأعمار أو للوجود المدني، ما يؤكد أن ما يجري ليس تجاوزات فردية، بل سياسة دولة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع وإخماد جذوة المقاومة.
في المقابل، ورغم القمع الشديد، يواصل الشعب الإيراني، بمختلف مكوّناته القومية والدينية، مقاومته بأشكال متعددة، من الاحتجاجات الشعبية، إلى الإضرابات العمالية، وحملات العصيان المدني. وتبرز في هذا السياق مشاركة واسعة من النساء والشباب، الذين تحوّلوا إلى رمز للصمود والتحدي في وجه آلة القمع. هذه المقاومة المستمرة تؤكد أن العنف الممنهج لم ينجح في إخضاع المجتمع، بل أسهم في توسيع دائرة الغضب الشعبي وتعميق القطيعة بين النظام والشارع.
ويحمل الحراك في المناطق الكردية بعداً خاصاً، حيث يجري استهداف الأهالي بشكل مضاعف تحت ذرائع أمنية وقومية، في محاولة لضرب أي شكل من أشكال التنظيم المجتمعي والسياسي. إلا أن هذه المناطق كانت ولا تزال في طليعة الانتفاضات الشعبية، رافعة شعار الحرية والكرامة، ومشددة على حق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن وجودها في وجه سياسات الإقصاء والتهميش.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز في الإعلام الدولي حديث متكرر عن احتمالات تدخل أمريكي أو ضغوط غربية على النظام الإيراني، سواء تحت عناوين حماية المدنيين أو مواجهة سياساته الإقليمية. غير أن هذا الخطاب يثير الكثير من الحذر لدى قوى شعبية وناشطين، الذين يرون أن القوى الإمبريالية لطالما تعاملت مع معاناة الشعوب كأداة لتحقيق مصالحها، لا كقضية إنسانية خالصة.
ويحذّر هؤلاء من الانجرار وراء الدعاية التي تروّج لتدخلات خارجية باعتبارها مخرجاً للأزمة، مشيرين إلى تجارب مريرة في المنطقة انتهت بتدمير المجتمعات وزيادة الفوضى بدل تحقيق الحرية. فالتغيير الحقيقي، بحسب هذه الرؤى، لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل ينبع من نضال الشعوب نفسها وقدرتها على تنظيم صفوفها وبناء بدائل ديمقراطية تعبّر عن إرادتها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية فضح جرائم النظام الإيراني بشكل مستقل وموثّق، بعيداً عن التوظيف السياسي الدولي. فالكشف المستمر عن المجازر والانتهاكات يسهم في حماية الضحايا من التعتيم، ويشكّل ضغطاً أخلاقياً وقانونياً على النظام، دون الوقوع في فخ تبرير التدخلات العسكرية أو الاصطفاف مع أجندات خارجية.
كما تلعب وسائل الإعلام الحرة والناشطون دوراً محورياً في إيصال صوت الضحايا إلى العالم، خاصة في ظل محاولات النظام فرض تعتيم إعلامي صارم وقطع الإنترنت خلال فترات الاحتجاجات. إن كسر هذا الحصار المعلوماتي بات جزءاً أساسياً من معركة المقاومة الشعبية، إلى جانب الاحتجاج في الشوارع وأماكن العمل.
في المحصلة، تكشف المجازر المتواصلة في إيران عن طبيعة نظام قائم على القمع والعنف المنهجي، غير قادر على الاستمرار دون سحق مجتمعه. وفي الوقت ذاته، تؤكد استمرارية المقاومة الشعبية أن إرادة الحرية أقوى من الرصاص والسجون. وبينما تتصاعد الأصوات الدولية حول التدخل والضغوط، يبقى الرهان الأساسي على وعي الشعوب وتنظيمها، وعلى فضح الجرائم دون الوقوع في فخ الدعاية الإمبريالية. فالمعركة من أجل الكرامة والعدالة في إيران هي معركة داخلية بالدرجة الأولى، تستمد قوتها من تضحيات الشعب وإصراره على بناء مستقبل حرّ بعيداً عن الاستبداد وكل أشكال الهيمنة الخارجية.
ROZ PRESS NEWS