أخبار عاجلة

قـ.ـضية معـ.ـلنة لا “اكـ.ـتشاف خـ.ـطير”..كيف يُحـ.ـرف ملـ.ـف أطـ.ـفال تنـ.ـظيم داعـ.ـش في إعلام تنظـ.ـيم الدولة السورية

في الآونة الأخيرة، عادت بعض المنصات الإعلامية الموالية لتنظيم الدولة السورية، مدعومة بحملات مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الترويج لرواية تزعم “اكتشافاً جديداً” لوجود أطفال من عائلات تنظيم داعش داخل مراكز احتجاز خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مقدّمة الأمر على أنه “فضيحة مخفية” أو “كشف خطير” للرأي العام. غير أن هذه السردية تتجاهل عمداً حقيقة أساسية مفادها أن هذا الملف كان مطروحاً منذ سنوات بشكل علني، وموثّق في تقارير دولية وتصريحات رسمية وزيارات ميدانية لمنظمات أممية.
فقبل نحو ثلاث سنوات، نشرت وسائل إعلام دولية وتقارير حقوقية أرقاماً تقديرية حول أعداد الأطفال المرتبطين بملف عائلات تنظيم داعش في مراكز الاحتجاز والمخيمات، من جنسيات سورية وعراقية وأجنبية. ووفق ما أوردته تقارير إعلامية آنذاك، تراوح عدد الأطفال المحتجزين في مراكز قسد بين 700 و850 طفلاً، من بينهم نحو 400 طفل سوري، و200 طفل عراقي، وأكثر من 100 طفل من جنسيات مختلفة. هذه المعطيات لم تكن تسريباً سرياً، بل معلومات منشورة ومتداولة على نطاق واسع ضمن تقارير رسمية.
إلى جانب ذلك، جاء الاعتراف الرسمي من قيادة قوات سوريا الديمقراطية ليؤكد علنية الملف. ففي تصريحات موثّقة، أوضح القائد العام لقسد مظلوم عبدي أن الأطفال موجودون في مراكز مخصصة لهم، وأن منظمات دولية، وعلى رأسها منظمة اليونيسف، زارت هذه المراكز واطلعت على أوضاعهم الصحية والإنسانية. وشدّد عبدي حينها على أن القضية تتطلب برامج تأهيل نفسي واجتماعي وإعادة دمج، محمّلاً المجتمع الدولي مسؤولية التقصير في تقديم الدعم اللازم، ومشيراً إلى وعود لم يتم تنفيذها حتى اليوم.
هذا الواقع يبيّن بوضوح أن قسد لم تنكر وجود الأطفال، بل طرحت القضية علناً وناشدت المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته القانونية والإنسانية. ومع ذلك، بقيت الاستجابة الدولية محدودة، في وقت يتزايد فيه العبء على إدارة محلية ذات إمكانيات ضعيفة مقارنة بحجم الملف وتعقيداته.
ولا يمكن فصل الجانب الإنساني عن البعد الأمني في هذه القضية. فخلال السنوات الماضية، أظهرت تقارير مصوّرة من داخل مخيم الهول استمرار خطاب التطرف لدى بعض عائلات التنظيم، بل وتأثيره المباشر على الأطفال، حيث جرى توثيق مشاهد لنساء يفتخرن بزرع فكر داعش في أبنائهن. هذا المعطى يعكس خطورة التعامل مع الملف بشكل عاطفي مبسّط، إذ إن كثيراً من هؤلاء الأطفال نشؤوا في بيئة مشبعة بأفكار متطرفة تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد، لا إلى شعارات إعلامية.
من جهتها، اتخذت منظمات حقوقية دولية موقفاً واضحاً، أبرزها منظمة هيومن رايتس ووتش التي دعت مراراً الدول إلى استعادة رعاياها من الأطفال، بل وحتى عائلاتهم، وتحمل مسؤولية محاكمتهم أو إعادة تأهيلهم داخل بلدانهم. غير أن العقبة الكبرى تمثلت في رفض معظم الدول استقبال مواطنيها، ما جعل مناطق شمال وشرق سوريا تتحمّل عبئاً إنسانياً وأمنياً يتجاوز قدراتها.
ورغم الانتقادات الحقوقية التي ترى أن احتجاز الأطفال إجراء غير مثالي، فإن القانون الدولي يلحظ استثناءات في حالات النزاعات المسلحة والتهديدات الأمنية، وهو ما جعل الملف يقع ضمن منطقة قانونية رمادية حالت دون اتخاذ إجراءات عقابية بحق قسد.
إن تصوير وجود هؤلاء الأطفال اليوم على أنه “اكتشاف جديد” يتجاهل سنوات من التقارير العلنية، والزيارات الميدانية، والتصريحات الرسمية، والمطالبات الدولية. فالقضية ليست سراً كُشف فجأة، بل أزمة مزمنة تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً، وبرامج تأهيل جدية، وتحمل الدول لمسؤولياتها تجاه مواطنيها.
في المحصلة، ما يجري تداوله حالياً يبدو أقرب إلى حملة إعلامية انتقائية تُوظَّف لأهداف سياسية، لا إلى حرص فعلي على حقوق الأطفال. وبين الواقع الإنساني المعقّد، والتحديات الأمنية، والتقاعس الدولي، يبقى هؤلاء الأطفال ضحايا صراع أكبر منهم، فيما تستمر محاولات تسييس قضيتهم بدل البحث عن حلول جذرية ومستدامة.

شاهد أيضاً

فيـ.ـضانات الفرات تفـ.ـضح هشـ.ـاشة الـ.ـخدمات وتـ.ـفاقم غـ.ـضب الأهالي في دير الزور والرقة

مع ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات خلال الأيام الأخيرة، دخلت مدينتا دير الزور والرقة مرحلة …