في الخامس عشر من شباط 1999، شكّل اعتقال القائد الكردي عبد الله أوجلان محطة مفصلية في تاريخ القضية الكردية، في عملية وُصفت آنذاك بـ«المؤامرة الدولية»، نظراً لتداخل أبعادها الإقليمية والدولية. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الحدث حاضراً في الوعي السياسي الكردي بوصفه لحظة استهدفت، بحسب أنصاره، ليس شخص أوجلان فحسب، بل المشروع الفكري والسياسي الذي طرحه حول الديمقراطية واللامركزية والتعايش بين الشعوب.
يرى مراقبون أن تداعيات تلك العملية لم تتوقف عند حدود الاعتقال، بل امتدت لتؤثر في مسار القضية الكردية في أكثر من جزء من كردستان، كما أعادت رسم ملامح التوازنات في المنطقة. ففي السنوات التي تلت 1999، برزت تحولات عميقة في الخطاب السياسي الكردي، تمثلت في التركيز على مفاهيم «الأمة الديمقراطية» والإدارة الذاتية والحل السلمي للقضية الكردية ضمن حدود الدول القائمة.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، برزت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، المعروفة إعلامياً باسم روج آفا، بوصفها أحد تجليات هذا التحول الفكري والسياسي. وقد تأسست هذه التجربة على مبادئ اللامركزية، والمشاركة المجتمعية، وتمكين المرأة، والتعايش بين المكونات القومية والدينية. ويعتبر مؤيدوها أنها استلهمت جانباً كبيراً من أطروحات أوجلان حول المجتمع الديمقراطي.
غير أن هذه التجربة واجهت منذ بدايتها تحديات معقدة، سواء على المستوى الأمني في مواجهة تنظيم داعش، أو على المستوى السياسي في ظل تباين المواقف الإقليمية والدولية تجاهها. وفي هذا السياق، يرى أنصار الإدارة الذاتية أن الهجمات والضغوط التي تتعرض لها روج آفا تمثل امتداداً لمحاولات سابقة هدفت إلى تقويض المشروع الكردي ومنع تبلوره كنموذج سياسي مستقل في المنطقة.
ويذهب بعض المحللين إلى أن الربط بين مؤامرة 1999 والتطورات الحالية يعكس قراءة سياسية تعتبر أن استهداف أوجلان كان يستهدف الفكرة التي يمثلها، وأن أي ضغط على روج آفا اليوم يُنظر إليه ضمن السياق ذاته. في المقابل، ترى أطراف أخرى أن تعقيدات المشهد السوري والإقليمي تتجاوز هذا التفسير، وأن ما يجري يرتبط بصراعات نفوذ أوسع تتداخل فيها حسابات أمنية وسياسية متعددة.
ومع ذلك، يبقى واضحاً أن اسم أوجلان لا يزال حاضراً بقوة في الخطاب السياسي الكردي، سواء في الدعوات إلى إنهاء عزله أو في التأكيد على دوره المحتمل في أي مسار تفاوضي مستقبلي. كما أن تجربة روج آفا أصبحت محوراً أساسياً في النقاش حول مستقبل الأكراد في سوريا، ودورهم في إعادة صياغة العقد الاجتماعي في البلاد.
على الصعيد الشعبي، تُستعاد ذكرى 15 شباط سنوياً في فعاليات ومسيرات تؤكد التمسك بالمطالب السياسية الكردية، وتربط بين الماضي والحاضر في قراءة واحدة تعتبر أن التحديات لم تتغير في جوهرها، وإن تبدلت أدواتها. ويؤكد مشاركون في هذه الفعاليات أن حماية المكتسبات التي تحققت في شمال وشرق سوريا باتت أولوية، في ظل ما يصفونه بمحاولات تقويض الاستقرار وإضعاف الإدارة الذاتية.
في المحصلة، سواء اتُّفق أو اختلف مع توصيف الأحداث، فإن اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999 شكّل نقطة تحول كبرى في مسار القضية الكردية، ولا تزال آثاره السياسية والفكرية ممتدة حتى اليوم. كما أن مستقبل روج آفا سيبقى مرتبطاً بالتوازنات الإقليمية والدولية، وبقدرة القوى المحلية على إدارة خلافاتها وبناء شراكات تضمن الاستقرار.
بين الماضي والحاضر، يستمر الجدل حول طبيعة الصراع وأبعاده، لكن الثابت أن القضية الكردية ما زالت أحد العناوين الرئيسية في معادلة الشرق الأوسط، وأن أي تسوية مستدامة في المنطقة لن تكون بمعزل عن معالجتها ضمن إطار سياسي عادل وشامل.
ROZ PRESS NEWS