يشكّل الشعب الكردي ثاني أكبر مكوّن قومي في سوريا، ويتمركز منذ قرون في مناطق الشمال والشمال الشرقي من البلاد، إضافة إلى وجوده في عدد من المدن السورية الأخرى. ورغم هذا الحضور التاريخي والاجتماعي، بقيت قضية الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للكرد إحدى القضايا العالقة في تاريخ الدولة السورية الحديثة، حيث لم تتضمن الدساتير المتعاقبة نصوصاً صريحة تعترف بالتعددية القومية أو بالهوية الكردية.
ومنذ بدايات تشكّل الدولة السورية الحديثة بعد سقوط الدولة العثمانية، تعاقبت عدة دساتير وأنظمة حكم، إلا أن معظمها حافظ على مركزية الدولة وقدم سوريا بوصفها دولة ذات هوية عربية واحدة، دون الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي داخل المجتمع السوري.
يُعد دستور 1920 أول دستور سوري حديث، وقد أُقر في عهد الملك فيصل الأول بعد إعلان المملكة العربية السورية. وصادق عليه المؤتمر السوري العام في 13 تموز 1920، قبل أيام قليلة من وقوع معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى البلاد. ورغم أهميته التاريخية، لم يتضمن هذا الدستور أي إشارة إلى التعددية القومية أو إلى وجود الشعب الكردي.
وخلال فترة الانتداب الفرنسي صدر دستور 1930 الذي حافظ على الطابع المركزي للدولة أيضاً. وفي تلك الفترة شهدت منطقة الجزيرة السورية بين عامي 1937 و1939 توتراً سياسياً ملحوظاً، إذ تصاعدت الاحتجاجات عام 1938 في ظل تعثر معاهدة الاستقلال السورية الفرنسية 1936. وطالبت شخصيات محلية من الكرد والمسيحيين بإصلاحات إدارية وسياسية، أبرزها منح المنطقة حكماً إدارياً محلياً يراعي خصوصيتها.
وشملت المطالب تعيين موظفين من أبناء المنطقة في المؤسسات الحكومية، وضمان مشاركة السكان المحليين في الحياة السياسية، والسماح باستخدام اللغة والثقافة الكردية بحرية. غير أن الحكومة المركزية في دمشق رفضت هذه المطالب وعدّتها تهديداً لوحدة الدولة. ومع تصاعد الأزمة تدخلت سلطات الانتداب الفرنسي لإدارة الوضع، قبل أن تقوم فرنسا عام 1939 بتعليق الدستور السوري وحل البرلمان، ما أعاد البلاد إلى الحكم المباشر للانتداب لفترة مؤقتة.
وبعد الاستقلال عن فرنسا عام 1946، صدر دستور 1950 الذي اعتُبر آنذاك من أكثر الدساتير تقدماً من حيث الحريات السياسية، لكنه لم يتضمن أيضاً أي نصوص تعترف بالحقوق القومية للمكونات غير العربية، بما في ذلك الكرد.
لاحقاً، ومع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، صدر دستور 1973 في عهد حافظ الأسد، ومنح هذا الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية وكرّس مركزية السلطة السياسية، كما حافظ على تعريف الدولة ضمن إطار الهوية العربية دون الاعتراف بالتنوع القومي.
وفي ظل الأزمة السورية صدر دستور 2012 في عهد بشار الأسد، لكنه لم يُدخل تغييرات جوهرية فيما يتعلق بالاعتراف الدستوري بالمكونات القومية، واستمر في الإبقاء على بنية الدولة المركزية.
وخلال العقود الماضية شهدت سوريا أيضاً عدداً من الدساتير والإعلانات الدستورية المؤقتة نتيجة الانقلابات العسكرية، أبرزها الدساتير المؤقتة التي أعقبت انقلابات حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي، إضافة إلى دستور قيام الجمهورية العربية المتحدة 1958 خلال الوحدة مع مصر، ثم الإعلانات الدستورية التي أعقبت انقلاب البعث عام 1963.
ومؤخراً، أُقر الإعلان الدستوري السوري المؤقت 2025 في 13 آذار 2025 من قبل رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، بهدف تنظيم المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام البعثي في نهاية عام 2024. إلا أن هذا الإعلان أثار جدلاً واسعاً بين القوى السياسية السورية، خاصة بعد صدوره دون مشاركة واسعة من مختلف المكونات.
ويرى منتقدون أن الإعلان الدستوري لم يقدم حلولاً واضحة لمسألة الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، كما أبقى على تركيز السلطة بيد الرئيس، ومن المقرر أن يستمر العمل به لمدة خمس سنوات بين عامي 2025 و2030 إلى حين صياغة دستور دائم جديد.
على صعيد آخر، عانى الكرد في سوريا من سياسات تمييزية على مدى عقود، أبرزها الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962 الذي أدى إلى تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، ما حرمهم من حقوق مدنية أساسية مثل التملك والعمل في بعض الوظائف الحكومية.
كما شهدت مناطق ذات غالبية كردية سياسات تغيير ديموغرافي، من بينها مشاريع إعادة توزيع الأراضي وبرامج التعريب التي طبقتها الحكومات المتعاقبة، وهو ما أثر على البنية السكانية في تلك المناطق.
وفي كانون الثاني 2026 أصدر أحمد الشرع مرسوماً أكد فيه أن المواطنين السوريين من أصول كردية يشكلون جزءاً أساسياً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية المتعددة. غير أن مراقبين يرون أن هذه التصريحات تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى ضمانات دستورية واضحة.
ويؤكد باحثون ومتابعون للشأن السوري أن بناء دولة مستقرة في المستقبل يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعددية القومية والثقافية في البلاد، ويضمن مشاركة جميع المكونات في كتابة الدستور ومؤسسات الدولة، إضافة إلى حماية حق اللغة الأم في التعليم والإعلام والحياة الثقافية، وتعزيز دور الإدارات المحلية بما يسمح للمناطق بالحفاظ على خصوصيتها ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.
ROZ PRESS NEWS