يشهد ملف الأرشيف التاريخي والوثائق الوقفية في سوريا جدلاً متصاعداً، بعد تحذيرات من خبراء وحقوقيين من مخاطر فتح سجلات الحقبة العثمانية خارج الأطر القانونية الوطنية، في ظل هشاشة منظومة الأرشفة وغياب قانون واضح ينظم هذا القطاع الحساس.
وفي هذا السياق، كشف خبير في مركز الوثائق التاريخية التابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف في دمشق، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن المركز الذي تأسس عام 1959 يضم قسماً عثمانياً يُعد من أهم الأقسام، ويحتوي على أقدم مجموعة وثائقية في البلاد، تشكل مصدراً رئيسياً لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لسوريا خلال القرون الماضية.
وأوضح الخبير أن المركز يحتفظ بسجلات بالغة الأهمية، من بينها سجلات المحاكم الشرعية التي تُقدّر بنحو 2900 سجل موزعة على مدن دمشق وحلب وحماة وحمص واللاذقية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذه الأرشيفات تعرضت في فترات سابقة لعمليات حرق وسرقة وعبث من قبل مجهولين، ما فاقم من هشاشتها.
وأضاف أن “سوريا دولة بلا أرشيف منظم”، لافتاً إلى أن لجنة شُكلت عام 2006 لإعداد قانون خاص بالأرشيف لم يُقر حتى الآن، رغم الحاجة الملحة لتنظيم وحماية الوثائق الرسمية والتاريخية من الضياع أو التلاعب.
وبيّن الخبير أن سجلات الطابو والملكية محفوظة لدى المصالح العقارية، في حين تعود سجلات النفوس والأنساب والعائلات إلى الحقبة العثمانية في القرن التاسع عشر، وهي محفوظة ضمن مركز النفوس، ما يعكس تداخل المرجعيات بين مؤسسات متعددة.
وفي تحذير لافت، أشار إلى أن تحركات مرتبطة بملف الأوقاف جاءت بعد تنظيم دورات ومحاضرات من قبل جهات تركية لبعض العاملين في ملفات الطابو داخل مؤسسات محلية، محذراً من أن ذلك قد يفتح الباب أمام “تلاعب محتمل” في بعض السجلات العقارية والوثائق الوقفية.
ودعا الخبير إلى ضرورة تحرك عاجل لحماية الأرشيف التاريخي، محذراً من أن أي تداول غير مدروس لمعلومات تتعلق بمواقع هذه الوثائق أو أهميتها قد يعرضها للتلف أو الإتلاف المتعمد، في ظل هشاشة الواقع الأمني والمؤسساتي.
من جهته، عبّر أحد تجار سوق الحميدية، وهو رجل في السبعين من عمره يُعرف بـ”أبو عمر”، عن رفضه القاطع لأي إجراءات قد تمس ملكية المحال التجارية في الأسواق القديمة بدمشق، مؤكداً أنه ورث محله عن والده الذي اشتراه قبل عقود طويلة.
وقال التاجر إن “الحديث عن إعادة تصنيف الأسواق كأوقاف عثمانية يُعد تهديداً مباشراً للملكية الخاصة”، معتبراً أن ما يجري يمثل محاولة لفرض واقع جديد على التجار، داعياً في الوقت نفسه إلى حلول قانونية واضحة وحوار مع أصحاب الحقوق بدلاً من الإجراءات الأحادية.
وأضاف أن الأسواق التاريخية في دمشق، التي يقدّر عددها بنحو 55 سوقاً، تمثل جزءاً من الهوية الاقتصادية والثقافية للمدينة، محذراً من تداعيات أي تغييرات غير مدروسة على الحركة التجارية والاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، يرى الحقوقي حسان العبد أن الإشكالية لا تقتصر على الملكية فقط، بل تمتد إلى مسألة المرجعية القانونية للوثائق، متسائلاً عن سبب الاعتماد على مصادر خارجية في حين تمتلك المؤسسات السورية سجلات رسمية معتمدة.
وحذر العبد من أن إعادة فتح ملف الوقفيات القديمة بهذه الطريقة قد تؤدي إلى نزاعات قضائية معقدة، خاصة في المناطق التجارية التاريخية التي شهدت عبر عقود طويلة عمليات بيع وشراء وتوارث، ما يجعل إعادة توصيفها كأملاك وقفية أمراً بالغ الحساسية.
ويأتي هذا الجدل في ظل ضعف البنية المؤسسية الخاصة بالأرشفة في سوريا، وغياب قانون وطني حديث ينظم عمل الأرشيف، ما يزيد من المخاوف المتعلقة بإمكانية ضياع أو التلاعب بالوثائق التاريخية، لا سيما تلك المرتبطة بالملكية والعقارات.
وبينما تؤكد بعض الجهات أن الهدف من هذه الإجراءات هو التوثيق والتنظيم، يرى منتقدون أن فتح هذا الملف بالتنسيق مع جهات خارجية قد يشكل سابقة خطيرة تمس السيادة القانونية، وتفتح الباب أمام تعقيدات واسعة في ملف حساس يرتبط بتاريخ البلاد وحقوق ملكيتها.
ROZ PRESS NEWS